عالم فريد اسمه الكرامة 2
توجه نحو رفوف المواد اللبنية ، فابتاع بعضا من حليب ، و بعض اليوغورت ، و أضافهما إلى قائمته التي ضمت الشوكولا و بعض الخضار ، ثم اختار من الفاكهة إجاصا ، دفع ثمن مشترياته ، ثم خرج ، استقل الميترو قاصدا عمارته التي فيها يقطن ، غير أنه أحس بألم ضرسه يباغته ، و كانت بدايتاته لا تبشر بخير ، بل تتوعده بليلة بيضاء ، فأخفى هواجسه في قلبه ، و وطن النية على تناول أدوية مسكنة للآلام في المنزل ، و تمنى على الله أن لا يضطر إلى زيارة طبيب الأسنان ، الذي لا يحب أبدا زيارته ، خاصة بعد التجارب المتعددة له معه في بلاده !
بدت البنايات المتسارعة بسرعة الميترو، أشبه ، بدببة قطبية في سباتها الشتوي ، غطت الثلوج قرميدها الأحمر ، و اشتعلت الأضواء داخلها ، في إشارة إلى استمتاع ساكنيها بالدفئ الذي يخلق السعادة في القلوب !
دخل عمارته ، و ما إن فتح باب العمارة ، و خطى خطوات إلى الداخل حتى خرجت السيدة إيديلتراوت من منزلها ، كقط عجوز ثم قالت :
ـ تأخرت هذا المساء على غير عادتك يا جيكوب !
و كانت مباغتتها قد أدخلت في نفسه رعبا صغيرا ، فتراجع في حركة لا إرادية مضحكة إلى الوراء و قال :
ـ أوه سيدة إيديلتراوت ، لقد أفزعتني !
ضحكت السيدة إيديلتراوت ، و هي تقول وسط ضحكاتها المتتالية :
ـ لقد رمقتك من النافذة و أنت تدخل ! أنت تعرف أنني امرأة عجوز ، و لا شيء يسليني في مثل هذا الشتاء البارد ، فأجل أمام النافذة أتفرج على الناس و المارة و السيارات !
ـ أوه آسف سيدة إيديلتراوت ، أعدك أن أجالسك في يوم عطلتي !
ـ مرحبا بك أيها الأجنبي !
و كانت شبه علاقة وطيدة قد بدأت في التكون بينه و بين السيدة إيديلتراوت ، علاقة لم يفهم مغزاها ، رغم نفورها البين منه كأجنبي ، أحس نحوها بعاطفة من يحنو على مريض باغته في طريقه ! كانت السيدة إيديلتراوت فعلا سيدة عليلة ، تعاني من الوحدة ، كما تعاني الصحراء ضربات الشمس الغادرة في أيام الصيف ! و إنه كان ليحس في دواخلة ، بحاجة هذه المرأة العجوز إلى جليس يؤنس وحدتها ، و يتستمع إلى حكاياتها التي لا تنتهي ، هذه السيدة التي جمعت في دواخلها عقود كثيرة بطعم التأريخ ! و إنح حتى في مناداتها له بالأجنبي كان يحس طعما لها بطعم الفرح بلقاء شخص ثرثار مثله ، أكثر مما يحص داخلها بالعنصرية !
ـ أجنبي مرة أخرى سيدة إيديلتراوت ؟ قال لها في عتاب مبطن !
ـ أليست هذه الحقيقة ؟ ألست أجنبيا عن ألمانيا .
ـ بلى ! و لكني إنسان له أحاسيس ، و يحب جدا أن يتحدث إليك أيتها السيدة ! و الأهم من هذا كله أنه لا يخاف منك !
ـ ثرثار أنت يا جيكوب ! قالت مبتسمة !
كان ألم ضرسه يزداد بتسارع الدقائق ، فقال لها :
ـ سيدة إيديلتراوت ، أعتذر منك ، علي الذهاب الآن ، ضرسي يؤلمني ، و لا آمن على نفسي أن أقصد طبيب الأسنان لذا على الصعود الآن !
ـ أوه ، أتمنى لك الراحة يا جيكوب ، هيا اذهب ، خذ مسكنات ألم ، لعل الأمر سيزول !
ـ أتمنى ذلك فعلا !
فتح باب شقته ، و تناول مسكنات للألم كان قد ابتاعها من الصيدلية آنفا ، و حمد الله أن فعل ذلك ، فقد كان الوقت ليلا ، و جل الصيدليات كانت مقفلة ، و كان عليه أن يبحث عن صيدلية مداومة ، لولا أنه ابتاعها قبلا !
مرت الساعات ، خف الألم قليلا ، فاستغل الفرصة ، و أم المطبخ ليمارس هوايته المفضلة ، و من أجل أن ينسي نفسه الألم ! أكل ، صلى ، ثم نام ، و لحسن الحظ ذهب في نوم عميق ، رغم بقايا الألم الذي سببه له ضرسه !
في الساعة الثانية صباحا ، استيقظ على وقع ألم شديد في ضرسه ، لم يكن تخمينه خاطئا في الميترو ، علم بينه و بين نفسه أنه يجب عليه أن يذهب إلى طبيب أسنان غدا صباحا ، إلا أن الألم كان شديدا جدا عليه حد البكاء ، لم يدر إلا و هو يرتدي ملابسه ، و يأخذ حافظة نقوه ليجد نفسه في الشارع ، يبكي من فرط الألم ! رباه ، إنها الساعة الثانية و النصف ، لم يبق للميترو من مداومة ، و علي أن أنتظر ساعة و نصف الساعة من أجل بدايته من جديد ! خاطب نفسه كأحمق ، ثم خطى خطوات بائسة ، دموعه تنساب من فرط الألم ، لا يدري ما يفعل ، و لا أين يتجه ، مركز طب الأسنان المداوم بعبد نسبيا عن مكان إقامته !
في عز تفكيره ، قطع حبله صوت جهوري قائلا :
ـ هل أنت بخير أيها الشاب ؟
ـ أوه نعم بخير أيها السيد !
و كانت سيارة الشرطة قد وقفت موازية له ، و خرج منها هذا الشرطي الذي خاطبه ، فوجه كشافه إلى وجهه ثم سأله قائلا بصوت انخفضت قوته :
ـ لماذا الدموع أيها الشاب ، هل تواجهك مشاكل ؟ قل لي أنا هنا من أجل مساعدتك !
ـ ضرسي يؤلمني يا سيدي ، و لا أجل وسيلة للنقل الآن !
ـ هل معك أوراق هويتك ؟
ـ تفضل سيدي ، ناوله جوازه ، فتسلمه الشرطي ، ألقى عليه نظرة بكشافه ، ثم سلمه لزميلته داخل السيارة التي كانت هي من يقودها ، أدخلت معلوماته في حاسوب صغير متصل بقاعدة البيانات في السانترال ، ثم أعادته له ، مخبرة إياه أن كل شيء على ما يرام ، و أنه قانوني في ألمانيا ، فتوجه إليه بالخطاب !
ـ هيا اركب أيها الشاب سنوصلك إلى مركز طب الأسنان !
ـ أوه هذا جميل جدا منك سيدي !
لم يتردد لحظة في الدخول إلى سيارة الشرطة لأول مرة في حياته ، أخبرت الشرطية القائدة مركز الشرطة بما حدث ، و أخبرتهم بوجهتها ثم قصدت المركز، انتابته ضحكة تفرض نفسها عليه ، فضحك نصفها ، فقالت له زميلته :
ـ لماذا تضحك يا سيد مهدي !
ـ عذرا ، لم أقصد الإساءة ، غير أنها المرة الأولى التي أركب فيها سيارة شرطة سواء هنا في ألمانيا أو في بلدي !
ضحكت الشرطية ثم قالت :
ـ على الأقل لم تركبها متهما ! يجب أن تعرف أن الشرطة هنا في ألمانيا ليست فقط من أجل إلقاء القبض على المجرمين ! الشرطة هنا في خدمة الشعب !
ـ علمت هذا نعم ، في ألمانيا ، شيء جميل جدا أن تكون الشرطة فعلا في خدمة الشعب !
ـ هل يختلف الأمر في المغرب سيدي ؟
شعر بحرج داخلي مداهم ، ثم رد :
ـ الحقيقة يا سيدتي ، أن شخصا في مثل حالتي في بلدي ، لن يجد سيارة شرطة أصلا تتجول في الليل إلا نادرا فما بالك بإيصاله إلى المستعجلات ! على العموم ، دعينا في ألمانيا ، هذا البلد الجميل ! و حتى لو وجدت سيارة شرطة في بلدي لن أركب فيها ، لأن مجرد نظرات الشرطي إليك تجعلك تعتقد أنك قد قتلت شخصا للتو ، طبعا لا نعمم !
شعر بضحكة مبطنة أخرجتها الشرطية ، محاولة أن تخفيها عنه مراعاة لمشاعره ، فأدرك ذلك ثم قال :
ـ لا عليك سيدتي ، الأمر مدعاة إلى الضحك فعلا
قالت و هي تبتسم :
ـ و كيف تجد الحياة هنا في ألمانيا .
ـ جميلة جدا! بلد يحترم الكرامة الإنسانية بشكل كبير جدا ، و يوفر حتى للأجانب كل ظروف الراحة
ـ ألمانيا ليست فقط للألمان سيد مهدي !
ـ هل تعلمين أنني أسمع هذه الجملة اليوم للمرة التانية ؟ نعم صحيح ، ألمانيا ليست فقط للألمان !
ـ ماذا تدرس أيها السيد ؟
ـ أدرس الصحافة ..
ـ لغتك الألمانية في تحسن مستمر ، و لا يظهر عليك أثر التخريب الذي يقوم به كثر من العرب هنا !
ـ أشكرك سيدتي ، نعم ، يجب علي أن أحسن من تواصلي باللغة الألمانية ، فأنا أحب هذه اللغة كثيرا !
ـيسعدنا كثيرا سماع ذلك ! على الأقل أنت عايشت الآن واقعا أن ألمانيا ليست هي هتلر و ليست عنصرية !
ـ أوه سيدتي ! لكل بلد تأريخه ، و ألمانيا اليوم ليست هي ألمانيا بين الحربين ! اهنئي بالا ! لن أكذب في بلدي و أخبرهم أن ألمانيا بلد عنصري ، قال ضاحكا !
ضحك الثلاتة بشكل جميل ، و لم يحس أبدا طيلة الطريق بانه في سيارة شرطة ، تحدث مع الشرطيين ، بشكل مسترسل ، حتى كاد أن ينسى المه ، حتى لاح له المركز ، فقال له الشرطي
ـ ها أنت وصلت إلى المشفى ، هيا أيها الشاب ، نتمنى لك كل الصحة و العافية ! بعد أن تنتهي ، ستجد الميترو قد بدأ رحلته الصباحية
ودعهما ، و شكر لهما صنيعهما الذي حفر في ذاكرته و قلبه إلى الأبد ، و لم يتحرك من مكانه حتى غابت السيارة عن عينيه ملوحا بيده مودعا …
دخل إلى المشفى من باب المستعجلات ، فكان أول ما استوقفه ، ذلك المنظر العجيب النظير المرتب الذي عليه حالة المستعجلات في المانيا ، كانت الكراسي التي صفت من أجل الإنتظار من النوع الفاخر ، زيادة على خلو الجو من رائحة الأدوية و رائحة الموت التي توجد في مستعجلات بلاده الحكومة ، و التي يكون الداخل إليها كالداخل إلى مكان خرب ، للتو عانى من قصف أو زلزال ! يكون المصابون فيه كمصابي الحرب ! إن الداخل إلى المستعجلات في بلاده كالداخل إلى مكان برائحة الموت ! كل شيء يدل على النهاية فيها ، حتى نظرات الأطباء ، هذا إذا كان هناك أطباء أصلا !
ألقى نظرة شاملة على ردهة المستعجلات و بهوها ، و أغمض عينيه ، و شعر براحة لذيذة ! كيف أن هؤلاء الألمان لديهم كل هذه النعم ، و كل هذه الراحة في مستعجلاتهم ، و كانت المقارنة صعبة جدا بين البلدين ، لأن الناظر إلى مستعجلات بلاده ، و مستعجلات الألمان ، سينجذب تلقائيا و فطريا إلى المستعجلات الألمانية التي ترقد فيها الكرامة الإنسانية و تتخذ منها مسكنا لها !
أخرجه من تفكيره صوت الممرض المداوم :
ـ سيدي : هل أنت بخير ؟
ـ أوه ، نعم سيدي بخير ، فقط …
ـ الم الأسنان ، دعني أخمن !
ـ أوه نعم سيدي ، ألم في ضرسي !
ـ لا عليك سيدي ، هل لك أن تمدني ببطاقة الأمان ؟
ـ نعم تفضل !
ـ شكرا لك سيدي ، اجلس و انتظرني قليلا ، لن يستغرق الأمر كثيرا ، هناك أطباء مداومون كثر هنا ، و سنسهر على راحتك ما أمكننا !
تركته كلماته كالمبهور ، كمن رأى في السماء طبقا طائرا ، رباه ما هذه المعاملة الإنسانية التي يعاملها هؤلاء البشر في هذه المجرة ! مجرد الدخول إلى هذه المستعجلات يشعرك بالراحة و الإطمئنان ! حتى لون الصباغة المختار المطلية به الجدران ، يضفي على النفس راحة لذيذة !
ـ عاد الممرض مبتسما ، يحمل في يديه ورقة ببياناته ، و بطاقة الأمان ، و سلمهما إياه قائلا :
ـ أرجو أن تتبعني سيد مهدي ، سأذهب بك إلى طبيب ليعالجك !
ـ شكرا جزيلا لك سيدي !
تبعه ، في ردهة المستعجلات الطويلة ، و عرجا على اليمين ، ليدخله إلى غرفة الفحص ، التي كانت مرتبة بشكل جيد ، و بأجهزة حديثة ثم بطبيب شاب مبتسم ، سلم عليه ، و استأذن الممرض وودعه ، ثم التفت إليه الطبيب و سأله :
ـ ما الذي تشتكيه سيد مهدي ؟
ـ ضرسي يا سيدي يؤلمني كثيرا …
ـ متى بدأ الأمر ؟
ـ بالأمس مساء ، تناولت أقراصا مسكنة ، و لكن الهدوء لم يدم كثيرا …
ـ هممم ، حسنا أرني ، افتح فمك ارجوك ! هممم نعم ، هناك التهاب ، ناتج عن تآكل الحشوة ! يلزم تغيير الحشوة ، حسنا سأفعل ما يجب فعله !
لم يقدر على الشكر و الرد ، فاكتفى بحركة من عينيه شكرا ، ثم قال له الطبيب الذي عاد من الغرفة المجاورة بإبرة :
ـ سيد مهدي ، سوف تشعر بوخزة صغيرة ، و سيختفي الألم ، ثم سنعالج ضرسك ! هذه ابرة بنج ، ستشعر بعد ثوان بالراحة ، هيا : واحد إتنان …
شعر بتخدير موضعي يسري مكان ألم ضرسه ، حتى اختفى الألم شيئا فشيئا تماما ، و كانت فترة الالعشر دقائق التي منحها الطبيب إياه من اجل أن يوطن البنج مفعوله ، فرصة له من أجل أن يدخل في مقارنات لا منتهية بين معاملات الأطباء أو أشباههم في مستعجلات بلاده ، و بين تعامل الأطباء هنا ! الطبيب الشاب ، ليس في وجهه ما يدل على شكواه من سهره طيلة الليل من أجل الحرص على راحة من قادهم القدر إليه مثله ، مجرد ابتسامته في وجه مرضاه ، يشعرهم بالراحة و الغبطة !
ـ حسنا سيد مهدي ، سنبدأ الآن …
استغرق الأمر عشر دقائق من أجل تنظيف الضرس و عمل حشوة جديدة ، ثم ودعه الطبيب متمنيا له شفاء عاجلا ، بعد أن كتب له في وصفة علاج على أقراص مسكنة أقوى من تلك التي يمتلكها في منزله ، و كان يريد أن يخبره أن ابتسامته فقط و تعامله يمثلان نصف العلاج غير أنه خجل ! ودعه بابتسامة شكر ، و حمد الله على وجوده في هذه البلاد التي تحترم الإنسان بشكل عام !
ركب الميترو ، و اتجه إلى منزله ، و استلقى على سريره ، و هو يحمد الله مجددا أنه متواجد ها هنا ، في بلد يقدس معنى : الإنسان !
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا :مهدي يعقوب

