لم يتعلم المجتمع بعد آليات وطرق النقد ،ولا أدبيات الاختلاف أو الاتفاق حول قضية من القضايا التي يطرحها الفضاء العمومي ، سواء على مستوى الفضاء الأزرق الفيسبوك كفضاء مفتوح أمام كل الأطياف والمرجعيات أو على مستوى الوسائل السمعية البصرية الموجهة من قبل مرجعية واحدة في الدولة والتي تنهج سياسة الكيل بمكيالين.
الدافع لكتابة هذه الأسطر هو الحملات التي تشنها هذه المرجعيات ، المؤيدة أوالمعارضة للتحول القيمي داخل المجتمع والشكسزوفرينيا الفصامية التي استشرت في نقد هذا الفيلم ،وكذا مهرجان مواززين ورقصات جينفر لوبيز هذين الآخيرين اعتبرا كفساد وانحلال أخلاقي للمجتمع في حين يعتبره البعض حرية في التعبير وفن لا يخضع للأحكام القيمية الأخلاقية ،باعتبار الفن يوسل اللاأخلاق ويسلط الضوء عليها كرسائل هادفة لتغيير السلوكات لا لتكريسها.
ووجب التمييز في النقد بين مستويين : النقد الموضوعي والنقد الذاتي
المستوى الأول : هو نقد موضوعي للفيلم والمهرجان ، هذا النقد لا يمكن أن يختلف فيه اثنان،ولا يمكن أن يقوم به كل من هب ودب، لأنه من اختصاص الدارسين للسينما ،ومن لهم الحق في ذلك لأنهم يمتلكون آليات النقد بالاعتماد على علوم مستقلة تدرس مدى ملائمة السينارويو مع التصوير والإنتاج...أما المهرجان فله كذلك شروطه الموضوعية للنقد والتحليل من حيث التنظيم..
أما المستوى الثاني : الذي يعتبر كالحوارات البزنطية التي لا يمكن الاتفاق حولها وتدخلنا في الحيص بيص على لسان المصريين، فهو نقد يتسم بسمة الذاتية ومنه يمكن تقييم المجتمع حسب مرجعياته الفكرية والثقافية والدينية والسياسية والأخلاقية.
• حداثيون يرون أن الطابع الذي ينبغي أن يكون عليه المجتمع هو التحرر من قيود العادات والسلطة المحافظة ، ويرون أن وظيفة الفن تتجلى في تقوض الطابوهات المسكوت عنها وتخليص الناس من وصاية الرجعية ورقابة محاكم التفتيش التي تقاضي الأخلاق باسم الدين ،أو تصفي الحسابات معهم باسم الأخلاق ،لكنهم –بدون تعميم أو تصنيف كلي للحداثيين- يفرضون في نفس الوقت على الآخر رؤية أحادية لمفهوم التقدم والعقلنة والحرية ، ويتناسون أن الحداثة حتى وإن كانت من مبادئها الحرية والفردانية والعقلانية فإنها لا تلغي طبيعة المجتمع المختلف وأن من مبادئ الفكر التنويري الاختلاف في الرأي وقبول باقي المرجعيات الأخرى المناقضة لمبادئهم ،كما يتعاملون مع القضايا بشكل انتقائي للأحداث ويقفون عند عتبة النقد الظاهري السطحي عوض الوقوف عند الأشياء المهمة والجوهرية ويضعون خطوط حمراء لا تظهر أنهم يأخذون الحداثة بكل معانيها السياسية والإجتماعية والأخلاقية والعلمية والفنية..
• المحافظون : لا يمكن لهؤلاء إنكار التغير ولا هم يقدرون على إيقاف المد الحداثي ، ولا يلاحظون تغير النسق الأخلاقي ،وأن القيم تتغير عبر الزمن وعبر الأجيال ،وأن الوسائل التي أصبحت متاحة من تكنولوجيا وظروف العيش تغير نمط السلوك كنوع من القدرالحتمي تاريخيا،وأكثر من ذلك نجدهم تارة يسلكون سلوكات يظهرون على أنهم حداثيون بمظهر محافظ أو محافظون بمظهر حداثي ،فنجدهم يناقضون أنفسهم ومبادئهم بدون وعي وهم كذلك ينهجون نفس نهج الفئة الأولى وينتقون القضايا بطريقة غير مفهومة ، كالعفو عن مغتصب الأطفال دانييل ،مرورا بالقانون الجنائي ،ومن العلاقات الجنسية بالتراضي ،والباروكس أو المفارقة الكبيرة بين حلال علينا حرام عليكم بين الفيلم المغربي والرقصات التي هي نفسها أو أكثر منها في موازين والأمثلة كثيرة .
إن القيم الكونية ثابثة وجوهرية وقشور النقاش بينة وواضحة إلا أننا شعب يحب اجترار الأحاديث التي يقدر عليها دون استعمال آليات النقد وبدون اعتماد علوم إنسانية تفسر وتفهم وتتنبأ وتحلل وتناقش بشكل موضوعي ،فالفرح والمحبة والتسامح والخير والسلام لا ينكرها أحد إلا إذا كان مريضا نفسيا ،وهناك قيم تتميز بطابعها النسبي وتتغير بحكم الزمن والأجيال التي تتعاقب ولا يمكن بأي حال من الأحوال مهما كانت مرجعية الدولة من الحفاظ عليها لأن وسائل التربية لم تعد ملكا لها ولا حتى في يد الأسر بنفسها.
وطبيعة مجتمعنا المغربي يغلب عليه هذا التعدد في المرجعيات والسبب في ذلك انفتاحه على الغرب بسبب القرب الجغرافي ،وتجذر الثقافة الفرنسية ليس كلغة بل كامتداد للاستعمار سابقا ونهج نفس المناهج الأوربية ومازال يؤثر على البنية المتحولة للأسرة بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة كما يرجع السبب إلى الفهم المتعدد للدين كثقافة وليس كعقيدة وما يدخل عليه من مغالاة متزمة أو وسطية واعتدال أو تصوف ...
إلا أن ما يتناساه كل المنتقدين هو أن النقاشات لا تدخل في البعد القيمي الأخلاقي فحسب بقدر ما هي مرتبطة بالصراع السياسي والمزايدات السياسية ، فالسياسة توجه الفن وتوجه المجتمع ودواليبها لا تعترف بالأخلاق كقيمة بقدر ما هي تخلق توازنا يخدم مصلحة طرف معين ،وقد تعتمد ككليشهات -كالفن - وتسلط الضوء وتوجه الرأي العام -، نحو قضية معينة بل تعتمده –النقاش الأخلاقي - لتجاوز النقاش الحقيقي ولتكسير ، وترك المجال للشجب والتخلص من الضغط وللتضليل والتمويه والإلهاء واحتواء الأزمات الحقيقة المرتبطة بالفساد القانوني والسياسي .. والمسار الصحيح للنقد هو محاربة العهر السياسي والفساد والنهب والاختلاس.
مهما اختلفنا حول فيلم الزين لي فيك أو اتفقنا معه ، ومهما أيدنا موازين أو دعينا إلى إقامته والاحتفاء به.
ففيلم الزين لي فيك لمخرجه له قناعاته الخاصة واختياره الشخصي لموضوعاته ولا يعاب عليه يعاب على من موله من خزينة الدولة ،وكان بالأحرى عوض إظهار صورة المغرب كدار للدعارة ،أن يبرز الأسباب الحقيقة لوجودها وإبراز من هو المستفيد من هاته الظاهرة ووجودها وطرح الأسئلة وربط المسؤولية ليس بالفقر فقط،وإنما بمن ساهم في تفشيها ،وتفقير الناس للوصول لبيع الكرامة الإنسانية.
أما عن موازين فالذين شجبوا ومنعوا الفيلم صمتوا صمتا مطبقا عن التجاوز –بمنظورهم- عن رقصات المغنية وهز الأرداف وبثت على المباشر وإلى داخل البيوت ما لا يوجد وأكثر داخل الفيلم ،وهو الآخر ممول من ضرائب وأموال المواطن وتم عرضه إلى داخل البيوت عكس المنع الذي بدى متعسفا لأنه كان ليعرض بالسينما ولكل حرية مشاهدته أو منعه.
لا أعطي بدوري أحكاما أخلاقية لأن لا أحد يمكنه أن ينكر الفرح أو يمنع اختلافات القيم ، وأن يكون أكثر من موازين ، لأصحاب الأمداح الدينية والتصوف وموازين آخر للرقص والموسيقى حسب اختلاف الأذواق الفنية الشخصية ، لكن هناك أولويات ، الجوع والفقر والتهميش لمناطق على حساب مناطق أخرى، ومجالات على حساب مجالات هي الكثر أهمية .
