728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    تَهَوُّرُ كَاتِبٍ ~ عبدالوهاب أوذاير~

    ـــــــــــــــــــ



    image



    لا خير يُرْجَى منك أيها القلم العاجز والمترخي..
    هكذا قلت بغضب عارم وأنا أدوس على القلم برجليّ...
    أغلقت باب المكتب وانصرفت. ارتديت معطفي الأسود المعلق في مشجب وسط البيت، ودست في جيبي علبة سجائر حمراء اللون، وفي الجيب الأخرى رزمة أوراق بيضاء، وغادرت البيت...
    دلفت المقهى من الباب الخلفي في محاولة لتجنب نظرات الزبائن الخبيثة ولسانهم الطويل، وجلست في ركن من أركانها الأربعة. أخرجت علبة السجائر الحمراء وولاعة وأشعلت سيجارة وشرعت أنفث دخانها في الفضاء..أقبل النادل يحمل صينية يتوسطها فنجان قهوة سوداء وقنينة ماء معدنية...
    مسح سطح الطاولة بخفة بواسطة قطعة ثوب مبللة بالماء، ووضع الفنجان والقنينة فوقها وهو يقول:
    تفضل قهوتك...
    شكرا، أجبت وأنا أشعل سيجارة ثانية..
    بالصحة والراحة، ردَّ وهو ينصرف لِيُلَبِّيَ طلبات الزبائن الآخرين..
    قلت بصوت مهموس: يا لك من غبي، أ بكأس قهوة سوداء مُرَّةِ المذاق سأحس بالراحة؟..
    أكملت سيجارتي الثانية وأشعلت ثالثة وارتشفت قهوتي المُرَّة، كان رأسي يكاد ينفجر ألما، والرغبات تموت الواحدة تلو الأخرى أمام عيني، أراها تتساقط تباعا كفَيْلَقِ جيش خسر المعركة، إلا رغبة التهام السجائر فقد ظلت متمسكة بالحياة تعاند الموت باستبسال وهي التي تهديه على طبق من ذهب...
    كنت بين الفينة والأخرى أجول ببصري في أرجاء المقهى كمن يبحث عن شيء ما، هذان عاشقان يتبادلان أطراف الحديث أسمعه بوضوح إنهما يخططان للمستقبل..قلت مع نفسي:
    يا لي من معتوه لماذا لم أخطط بدوري للمستقبل كباقي الناس، أو على الأقل كهاذين العاشقين؟ لماذا فضلت عيش اللحظة على عيش المستقبل؟...
    تركتُ العاشقين يستمتعا بحديثهما و يخططا لمستقبلهما، وعدتُ إلى نفسي وأشعلت سيجارة أخرى، لا أعرف رقمها، ربما السيجارة العاشرة أو أكثر أو أقل، ما يهمني هو رقمي الذي كان يلازمني كظلي ذلك الرقم الذي وُشِمَتْ به ذاكرتي حتى صار رقما صعبا في معادلة الحياة....
    تذكرت قصتي التي لم أكملها بعد، تذكرت كيف انسحبت الكلمات من تحتي كما ينسحب الماء من تحت الحصير، ما كنت أحتاجه لأكملها هو مُلْهِمة، تعيد ترتيب أحداث قصتي، وتجعل الأحرف والكلمات تخرج بانسيابية من رأس القلم ....
    مرَّ بجانبي طيفها شممت رائحة عطرها العبق، تابعت خطواتها وهي تجلس قبالتي، بدأت أصفها في مخيلتي، وجه بريء كوجه طفلة، خدان أحمران تغار من حمرتهما شقائق النعمان، شعر منسدل على كتفيها كسنابل قمح رجتها رياح نيسان العليلة، شفتان مكتنزتان يكسوهما أحمر شفاه قان. تابعت وصفها وهي تُخْرِجُ من الحقيبة نظاراتها الواقية، قبل أن تشرع في فتح كتاب، تعرفت على عنوانه بصعوبة كان إحدى روايات الكاتبة الجزائية أحلام مستغانمي، كانت تقرأ و بين الفينة والأخرى تشيح عن وجهها خصلات الشعر..
    انتابني إحساس غريب لم أستطع أن أتبين طبيعته..
    أتكون هي الملهمة التي أنتظرها منذ مدة لتُعِيدَ الحياة لقصتي؟
    تساءلت مع نفسي وأنا أحملق في وجهها الذي ينضح بهاء وجمالا...
    أخرجت رزمة الأوراق التي كنت قد دستها في جيب معطفي، ووضعتها فوق الطاولة، متأهبا لغزوها بقلمي، قبل أن أغزو الورقة الجالسة قبالتي بجسدي...
    أشعلت سيجارة، كانت الأخيرة المتبقية في العلبة، وارتشفت من كأس القهوة ما أبلل به حلقي، ثم أدخلت يدي داخل جيب المعطف باحثا عن قلمي...وعلى الفور تذكرت واقعة الصباح، تذكرت كيف كسرته بدون شفقة ولا رحمة..
    انتصبت واقفا مبديا غضبا وندما شديدين. قبل أن أغادر المقهى مطأطأ الرأس، كفارس عاد بدون أميرته، وأنا أجتر بمرارة أحداث اليوم....
    كلما هممت بمضاجعة قصة، تنتفض كلماتها، وتنغرز أحرفها في جسدي.....
    إلى الأعلى