728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان(17)~ مهدي يعقوب~


    بلبل في أحضان المحراب
    مهما حاول الوصف ، فلن يقدر على وصف الإحساس الذي ينتاب الشخص أيام التوبة الأوائل ، إحساس عجيب ، لا يقدر على معرفة وصفه أحد ، كريح عجيبة ، تأتي فتأخذك ، و تطوف بك في آلاء الله تعالى ، ما شاء الله تعالى لك أن تطوف ! إحساس متميز ، لم يكن على معرفة به من قبل ، ود لو أن كل مسلم سقط لإحساسه أسيرا ، يتلذذ به ، يستمتع به ، يطير و يرفرف في سمائه و جوه !
    كانت حياته في ألمانيا بحق ، بداية لحياة جديدة ! رغم أنه في بلاده لم يكن ذلك العاصي الذي يأتي الكبائر ، فجل حياته منذ طفولته حتى شبابه ، قضاها بين الكتب ، و بين التلفاز ، لم تكن تلك شهوة الخروج و الخلان و معاقرة الفتيات لتفرض نفسها عليه ، فلم يكن له وقت أصلا لذلك ، بل كان في أقصى أنواع التمرد في حياته يخرج إلى مقهى تطل على شاطئ البحر ، و يحتسي قهوته الممزوجة ببعض الحليب لوحده ، و مهقلمه و بعضا من ورق ، كانت حياته ، تشبه الروتين في حليته ، و لكنه كان بها مستمتعا ، إلا أنه لم يكن يهتم كثيرا لأمور دينه ، الإسلام ، هذا الدين ال ي فتح عينيه عليه ، و امتزج دمه و لحمه بكلمات آذانه ، كل شيء في بلاده ، يوحي بالإسلام حتى و إن كان الناس أبعد ما يكون عنه ، لم يكن ذلك الباحث في دينه ، كان يصلي لكنه لم يكن يصلي بقلب خاشع ، هي حركات كان يؤديها ، و كلمات يرددها ، لأجل أنها فرض ، و أنه مأمور بآدائها ! لم يتذوق طيلة حياته إلا مرات قلائل ، تلك اللذة الممزوجة بالتقديس ، التي يحسها المؤمنون في صلاتهم ، ذلك الخشوع الذي من شأنه أن يرقي المرء ، و هو ساجد ، تخرج روحه فيه ، هائمة في ملكوت الأرض و السماء ، تعبد و تقدس مالك الأكوان ملك الملوك ! لم يكن هذا همه أبدا في حياته حينما كان في بلاده ، و كان كل همه السعادة ، كان يكتب من أجل إسعاد عيون الآخرين ، ف السعادة ، كلمة شكرا يقرؤها في عيون قرائه ، السعادة بالنسبة إليه ، أن يطوع قلمه بين يديه ، و يخط ما شاء الله له أن يخط ، كانت السعادة بالنسبة إليه إسعاد البشر بكل طريقة ، أن يرى ابتسامات الآخرين تمتزج بابتساماته ، فتضفي على هذا العالم كثيرا من اللين ، كمرهم يكون بلسما شافيا لجراح قديمة ، استفاقت بعد خمول ! هكذا هي الدنيا ، لا معنى لها ، بدون عطاء ، بدون رفق بالآخرين ، بدون وشوشات قطة في أذنك جاءت تشكرك بعد أن أطعمتها بيديك ، بدون دعوات صادقة من قلب عجوز أنهكه علية القوم بنهش قوته ، بدون دمعة فرح ، تستجلبها يداك ، تمدهما ، لانتشال شخص قارب على حافة اليأس فتكون أنت سبب نجاته ، و عودته إلى جادة الدنيا ! و كان متأكدا أن كل من يملك حاسة الإبداع ، لا بد له أن يكون مثله ، مرهف الإحساس ، مستعد لمساعدة الآخرين كيفا كانوا ، و كيفما فكروا ، فجائت الطائرة التي أقلته إلى ألمانيا كحد فاصل بين حياة قديمة و بداية حياة جديدة ! و لم تكنن الحياة الجديدة ، بمختلفة عن القديمة إلا في بدايات اهتمامه بدينه ، و ما يجب عليه هو كمسلم أن يكون
    في ألمانيا كانت بدايته مع أيام التوبة الأوائل ، في سعي حثيث للحصول على السعادة ، سعادة الروح ، فجأة و بسرعة رهيبة ، بدأ يغير من طباعه التي شب و ترعرع عليها ، و التي كانت تنافي تعاليم الإسلام الذي به يدين ، بدأ في دحر الوحل الذي يكاد يغرق وجه العالم ، و الذي كان فيه يعيش ، و يصحح مفاهيمه الخاطئة التي ورثها عن عائته الصغيرة ، و محيطه ، و مدرسيه ، و أصدقائه ، قرر فجأة أن يحول تاريخ حياته ، و أن ينقي جسده و روحه ، مستعينا بالله على نفسه و شيطنه و شبهاته أصبح أشد الحرص على عرض أعماله على ضوء الكتاب و السنة ، طالت لحيته بشكل ملفت ، و اصبح لا يرى إلا و هو يلبس الفضفاض من اللباس ، متطيبا ، مبتسما ، يشعر داخله باشياء غريبة عن هذا المجتمع و هذا الزمان ، كأنما توقف الزمان به في زمان معين سيأتي ذكره فيما بعد !
    بعد أن كان لا يسمع شيئا خارج منزله ، اقتنى له قارئ أقراص ، و أصبح يتابع دروس محمد حسين يعقوب ، و الحقيقة ، أنه لم يكن يعرف الشيخ قط ، إلا أنه و في يوم كان في سيارة أحد أصدقائه ، و أسمعه شريط لماذا لا تصلي لمحمد حسين يعقوب ، فكان أن تعلق بهذا الشيخ بدون أن يعرفه ، و حيث أن كانت له علاقة بموقع طريق الإسلام، فقد اقتفى أثره ، وأثر دروسه ، و أثر فيه أيما تأثير أسلوبه الدعوي ، و طريقة تأثيره على من يسمعه ، فأصبحت دروسه أول ما يسمعه بعد الفراغ من سماع القرآن ! محمد حسين يعقوب أحس معه بالأمان ، أحسه كصديق حميم ، و كم مرة ناجاه في سره ، بما يجول في خاطره ، مسائلا إياه عن مسائل أعيته تفكيرا ، و كم تمنى من الله أن يقابله و لو قدرا لا مصادفة ، و إنه ليتذكر أنه سمع شريطا له تكلم فيه عن القبر و نعيمه ، و عذابه و العذاب الأكبر ، و مراحل يوم القيامه ، و أنه في ذلك اليوم كان يتمشى في شوارع المدينة ، و دموعه تنساب على خده ، و هو لا يبالي ، و يتابع الإستماع ، و الإستمتاع ... هذا الشيخ الذي أثر في حياته كثيرا ، كان يرسم له في مخيلته صورا مختلفة عن الصورة الحقيقية التي رآها فيما بعد ،و حينما يخرج ليلا كان ، يستلذ بالإستماع إليه كثيرا جدا ، حتى أنه يحس بروحه ترتقي شيئا فشيئا ، لتعانق هام السحاب !
    كانت مدينته تحتوي على 8 مساجد ، أو على الأقل ذلك ما كان يعلمه ، يتوسط 6 منها شارعين رئيسييين فيها ، و كان الذهاب إلى المسجد متعة في حد ذاته ، فأن ترتدي جلبابا فضفاضا ، و تلبس شالا على رأسك ، و تتطيب ، ثم تركب بعد ذلك حافلة أو تركب الميترو ، كان ذلك افتخارا له ، و كم كان منظر ذلك النصراني مضحكا للغاية ، حينما صعد هو في إحدى المحطات ، و جلس أمامه ، فبدأ ذلك النصراني الغريب ، و في دهشة و استغراب جل الراكبين ، يصلب على صدره ، و يهمهم بأشياء غير مفهومة ، ليهرول عند المحطة التالية مهرولا خارج الميترو ، تاركا ساقيه للرياح ، هناك فهم أن هناك من الألمان من لا يزال يعيش في ظلمات العصور الوسطى ! و على العموم لم يكن يكترث لنظر الناس له و هو في تلك الملابس قائم ، كان يحس بالسعادة ، و هو يلبس جلبابه المغربي ، أو قميصه الفضفاض ، و يخرج إلى الشارع ، و كان يحس دائما بنظرات الألمان تنخر جسده ، و الحق أنه لم يعب ذلك عليهم ، فمدينة شهدت حياة مفجر البرج الجنوبي من برجي التجارة العالمي و رفاقه ، جدير بأهلها أن يرقبوا مرتدي هذه الملابس بالقلق و الشكوك ، و لكنه كان يؤمن أن من لم يضع يده في عش الأفاعي فلا يجب عليه أن يخشى عضها !
    كانت اللحية بالنسبة غليه و هذه الملابس أيضا صماما للأمان ، فالفتيات في ألمانيا ، و أوروبا على العموم ، إذا أعجبن بشخص ما لا يتركنه في حاله حتى يوقعنه في حبائلهن ، حتى أن الواحدة منهن ، لتحاول المرة تلو الأخرى بدون ملل ، حتى لو اضطر بها الأمر أن تدق باب بيتك من أجل الظفر بك ، فلم تكن الفتيات يجرؤن على الحديث إليه إلا فيما ندر و إنه ليذكر في مرة أنه و في داخل الميترو ، كان جالسا مقابلا لفتات ألمانية ، فبادرته بالسؤال :
    ـ هل أنت مسلم ؟
    رفع بصره إليها ، و لمحها في نظرة خاطفة ثم أردف :
    ـ لا بد أنك تدرين أنه لا يلبس مثل هذا اللباس إلا مسلم
    ـ نعم صحيح ، و لكن لماذا لديك لحية طويلة نسبيا مثل هؤلاء الإرهابيين ؟
    ـ و هل كل من حوى وجهه من الألمان شاربا مقصوصا من الجانبين ، يحق لي أن أصفه بما كان يصنع هتلر ؟
    ـ نعم معك حق ، لكن …
    ـ لا عليك ، أنا متعود على هذا ، و لك أصابعك ليست كلها متشابهة أيتها الشابة !
    ابتسمت ابتسامة خفيفة ، ثم أعادت السؤال :
    ـ ما اسمك ؟
    ـ اسمي مهدي جيكوب ، جيكوب أسهل نطقا !
    ـ نعم صحيح ، أنا ميريام ، تشرفت بمعرفتك ، و أدرس بالجامعة ، لا بد أنك تدرس أيضا !
    ـ نعم أنا أدرس بالجامعة أيضا ، أنوي دراسة الصحافة هنا !
    ـ شيء جميل ، هل يمكننا أن نلتقي مرة تانية ؟
    ـ فلنتركها للقدر ، أعتذر منك ، علي الإستعداد الآن ، سوف أنزل المحطة القادمة !
    ـ حسنا ، سأراك في الجامعة بالتأكيد ! و لو أني أحس أنك تتهرب مني !
    ـ لماذا يتوجب علي ذلك ؟
    ـ لا أعلم ، مجرد إحساس !
    ـ فلتبقيه إحساسا فقط ، فأنا لا أنفر من النساء ، و لكني لا أحب أن أقع في الفاحشة بدون زواج !
    بهرتها صراحته الصادمة فقالت :
    ـ أوه ، فهمت الآن ، لا عليك !
    كانت هذه الفتاة أول فتاة تجرأت على توجيه الكلام له ، بدون ان ينتبه لها هو أصلا ، الفتيات في بلدان أوروبا متحررات إلى أبعد حد ، يكرهن التحرش ، و لكن إذا راق الرجل إحداهن ، فعلت المستحيل من أجل الظفر به ، و لم يكن ليتعجب لو أنه سمع طرقاها على باب منزله ، إلا أن ذلك لم يكن ، فعلم أن كلامه أوقفها ، أو أنه لم يرقها اصلا ، و كان حديثها مجرد ضرب من التطفل ليس إلا !

    إلى الأعلى