728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    جدران باردة ~إسفرادسكي~



    يأخذنا هذا الأسود الأتي من عمق إفريقيا في رحلة  العقل و الجسد، تنقل بعقله  في كل مشارب الفكر و لم يهنأ، وتنقل بجسده في كل البلدان ولم يهدأ، كلما تعب  صعد إلى أعلى  جبل يناجي السماء إن كان بها من يسمع، وبناجي الأرض إن كان فيها من يُنصت. يحكي كيف عاش  وسط أهله في تنزانيا،كيف كان مُجبرا على الرحيل إلى المغرب وكيف  جاب شمال إفريقيا لينتهي به الأمر إلى السعودية  لفترة ثم يأخذه قدره إلى بلاد البرد و الفودكا.هذا السفر المستمر صقله وجعله رجلا حكيما فاقدا لحماس الشباب وهو مازال شابا.إسفراسكي قصة الإنسان عبر التاريخ، الإنسان الذي تشبث بحبال  السماء وعندما  تقطعت بحث على الارض عن حبال تجعله يقف.يحكي في ما كتبه في جدران باردة ما رأى ، ما سمع  وكيف تأمل... 




    تشرين شهر البرد، الحب و الفودكا، هذا الحزن و هذا الصقيع  لا سبيل لدفعه إلا باِنْدِمَال الارواح و الاجساد المُغرقة بالفودكا .يتعلق الامر بقدرتك على ايقاف تدفق الزمن داخلك،بمدى قدرتك على كبح حركته و الوقوف مغمضا  عينيك ، على  منطقة السكون و الاحساس بالعدم ينساب بلطف داخل جمجمتك،أن تثمل بهذا الصمت القادم من زمن ما قبل الخلق ،أن تصارع العبث بالعبث طلبا لهذا السكر العلني المباح ، هذا ما يتعلق به أمر الحياة،أو هذا ما أعتقدت أنا أنه يتعلق به بعد كل هذه السنوات.
    صار  السرير ، اللصيق بالأرض مثل تابوت لجسدين تحوم فوقهما روحين عاريتين ، قبل دقائق كانت هذه الرقعة التي تحملنا موطنا لأعتى معارك الرغبة،و هذه الغرفة كانت حاضنة لأشد الأصوات خصوصية،الشراشف البيضاء التي كانت تزين السرير  صارت أيضا مبعثرة  على الجنبات ،إن بلدا كروسيا لا يمكن إلا أن يكون مشتلا شاسعا للحب الدائم، من يُطيق هذا البرد ؟،من يستطيع تحمل منظر البخار على النوافذ و دخان السيجارة يعلو من فمه وحيدا؟هل هناك عقاب أشد من النظر إلى الجنة من  فتحة ضيقة و دون رفقة،هل ستبكي ،ترقص أم تبتسم ؟ كل ذلك لا يتسع لما يرقص داخل قلبك.
     
    مدت
     دينوفا يدها تحوط  بها رأسي برفق، تمسحه طلوعا و هبوطا مسايرة حركة صدرها في هبوطه و طلوعه،تسأل بجملة متقطعة الأنفاس،و أهاتها الصارخة مازال صداها يتناهى إلى أذني،لم تخبرني يوما عن سبب كل هذه الاصابات في  رأسك يا بابوني الكئيب ؟
    دينوفا،هذه الشقراء الروسية ، بعثها قدر ما، في اللحظة التي كنت سأترك فيها كل شيء ورائي و أنسحب من هذا العالم الارضي ،دينوفا من القصص التي لا تكفى سطور للحديث عنها ، تشبه ألهةً يونانية و كفى،أمنت بها بعد أن فَرغ قلبي من كل إيمان.
    ألهتي ،لا تعلم أنها نبشت بفضولها جرحا يلتئم مع كل شروق ليعيد تفتحه مع أخر شعاع شمسي،جرح حملته ،ُطفت به العالم ،لم يُنهكه طول السفر و هدني ،حملته أم يحملني؟
    ما عدت أعلم ، أنا شخص زئبقي داخل اللحظة
    ، لا أستطيع التفكير في أمر يقع خارجها ، متردد و متشكك،لا أتخد موقفا إلا بعد أن أقف على حافة السقوط إن لم أفعل ،من كثرة ما جُلت الارض و من كثرة ما شَهدت صرت جاهلا ،مفتقدا لأي نوع من المعرفة التي تقود الانسان،جاهلا بحدود الخطأ و الصواب، بحدود الحقيقي و اللاحقيقي،جاهلا بحدود الانساني و اللانساني.
    أصب كأسين، و نُشعل سيجارتين ،
    -دينوفا ، ترغبين حقا في معرفة القصة كاملة؟
    الأصابات في رأسي ليست مجرد إصابات،إنها أشبه بالمنحوتات السومارية ، النقوشات على رأسي تاريخ، تاريخي، وتاريخ الملايين أيضا.
    في ليلة شتوية باردة ، و لأن والدي لم يتوفر لهما ما يكفي من الطعام ، لجئوا ككل الفقراء، لهبة الله لأبنائه المحرومين على الأرض ، اقتسما
     فراشهما ، ليعوضا ما نقصهما.في تلك الليلة إهتزت أوصالي و اقتلعت من العدم،أه يا دينوفا،إن كل الحزن الذي أحمله في ثنايا قلبي كان بسبب تلك الليلة، تلك الرجة التي سحبتني من جهة للاوعي في هذا العالم و قذفت بي في جانبه المعتم، أن وجودي كان محض حادث عابر تلك ليلة،حادث لم يكن مدبرا ولم أكن أنا المقصود منه ،قطعت تلك المسافة القصيرة الطويلة بين جسديهما،وتلك كانت أول رِحلة و أول الرحلة،في عام 1953 غادرت رحم أمي و رُمي بي في هذا الفضاء المقيت ،في قرية تبعد عن العاصمة دودوما بخمسمائة كيلومتر،جنوب تنزانيا إحتفلوا بسقوطي و أطلقوا علي "أميداه "نعمة الله، إعتقدوا أني نعمة الله عليهم ، والحقيقة أن مجيئي كان نقمة ، نقمة علي و على هذا العالم الذي لم يعد يتحمل ثقلا إضافيا...
    يُتبع...







    إلى الأعلى