الطفولة البراءة ، هذا مايمكن أن نعرفه بها أجمل
وأروع مرحلة يمر المرء بها، لكن الأمور ليست دائما كما نظن فجواهر الأشياء
بواطنها ومرات عديدة قد تحمل الجوهرة الخبث في سويدائها.
أنا جمان...
في عقدي الأول
الآن،
ستتساءلون كيف هو
شكلي وطبعي، مزاجي وحياتي؟
سأؤجل أسئلتكم
للنهاية فحينها ستعرفون الإجابة من تلقاء أنفسكم.
وضعتني امي قبل التسعة أشهر؛ التي تعد المدة الطبيعية
للولادة، وضعتني وانا ابنة السبع شهور،جاءها المخاض حادا ومؤلما ، كانت تتأوه
وتإن، كانت تنادي باسم ابي فتقول:" عثمان ، ياوالد جمان ، ابنتك ملت الإنتظار
وانا في احتضار، اهتم بها جيدا، لاتجعلهم يجتثوها كشجرة من الأشجار ، يقطفوها
كزهرة من الأزهار،أو حتى يبتروها كوتر من الأوتار،كن معها في مراحل الإنكسار،
ساعدها في اتخاذ قرار، ربها وأحسن تربيتها، علمها واحسن تعليمها، ولاتنسى أن
تخبرها عن الحياة كنهها، من القرآن استدل لها و بالسيرة النبرية اكمل لها
استيعابها....."، كانت تتأوه والكلمات تخرج متقاطعة حينا ، مرتفعة حينا آخر،
خافتة حينا ، مكتملة حينا آخر...
وضعتني وماتت، جئت
للحياة وذهبت ، لقد سمعتك ياأمي ، سمعت
وصيتك كاملة وانا في بداية طريقي للحياة وانت تفصل شعرة بينك وبين الممات حتى
صرخاتي لم تسمعيها ياأمي "حياة"، صرخت والتزمت الصمت، دمعت عيناي
وانبسطت اساريرك مبتسمة بوضع مولودتك.
اسأل نفسي كيف
سأعيش بعدك؟؟
فقد كنت في بطنك،
أتغذى وأسقى من دمك وعروقك، مستلقية في رحمك.
لكنني...
لن أطعم من صدرك
لن أشرب حليبك
لن أطبع قبلة على
جبينك
لن أستطيع الوقوف
أمامك
وبكل جوارحي اعتذر
وأشكر لك
آآآه ياأمي،آآآه
كان موتك هو الثمن لأحيا..
أكملت الشهرين
المتبقيين في أنبوب زجاجي معقم، ولكم كنت هناك أختنق، يأتيني أبي فيطيل النظر بي
ويتمتم بكلمات نسجت معناها من خلال تنسيق حركات شفتيه ، أنا لم ارك لكنه همس بأنني
أشبهك كثيرا ، بل نسخة طبق الأصل منك.
أتدرون لقد رايتها
رغم أنني لم أرها، رايت كيانها ووجدانها ، إنها فياضة بالمشاعر، أغدقت علي بحبها
وحنانها، ولم تأنف فكرة مجيئي، كانت سعيدة لأنها ستصبح أما وللمرة الأولى. في شهري
السادس كانت تهمس لي بأن لا أعذب أبي وهو يحملني أو يطعمني ، وأن أستمع لكلامه
وأطيعه ، كأنها كانت تتنبأ لي بوفاتها.
لقد أحبتني كثيرا –امي-
رغم أنها لم ترني
أنبني ضميري ،
ولولا إيماني بقضاء الله وقدره لاتهمت نفسي بموتها؛ وقد فعلتها مرات عديدة ولما
أكاد أقول "لو لم أولد لما...
ثم أستغفر الله
فأستذكر ك جملتين كانت ترددهما في خلوتها وأنا أستمع إليهما في أحشاءها؛
فالأولى:" من لم يرض بقضاءه وشكر نعمه ويصبر على بلاءه فليخرج من تحت
سماءه.."، والثانية:" عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"
ومع توالي الأيام
لما بدات أستعيب الأمور فكرت مليا ، لم تذهب حياة سدى من هذه الحياةن ولم تخلق
جمان عبثا في هذه الحياة، خلقت لأنجح وامون متميزة ، خلقت لأكون متميزة فقط، خلقت
لأرقى وأسمو.
الأرجح أنني جئت لغاية بل مؤكد ذلك ، فأعدك ياأمي بعد ان استساغت لي الحياة،
بعد أن كنت أنت
الثمن
بعد أن جرعت خبر
موتك جرعة واحدة
بعد أن أنفت غيابك
وبعد أن تحليت
بالعزيمة والإصرار
سأجابه صعاب
الحياة، من أجل أن أرفع رأسك ياحياة ، من أجل والد جمان ، والدي عثمان، سأكون
فلاحة نشيطة لأرضي الخصبة ، وبذرتي النقية وسأتابع الطريق بروح قوية.
أتمنى أنكم وجدتم لأسئلتكم
إجابات
ولاتظنون أن هذه
مأساة
بل هي بداية حياة
لكم من جمان أطيب
وأرق تحيات.

