ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرَّت عدة سنوات على رحيل صديقي سَعْد، ولا زالت الرغبة
في لقاءه تتأَجَّجُ داخلي يوماً بعد يوم، كما أنَّني ما زلت حريصا على أن أكونَ
رجلاً صالحاً لكيْ أراهُ هناك وألتقي به، كما قال لي الرجل العجوز..
أتذكر الآن بِأَسى
يوم رحيله، كان محمولاً داخل صندوقٍ خشبي، والناس ملتفُّون حوله يُتمتمون بألفاظ
لم أتبينها، كنت واقفا آنذاك بجانب أمي أتابع باندهاش ذلك المشهد المريب، وكانت
أصوات البكاء والنحيب القادمة من وسط المنزل تثير الرعب في نفسي...
سألت أمي ونحن جالسين على مائدة العشاء عقب ذلك ببضعة
أيام:
إلى أين ذهب سعد يا أمي، لقد اشتقت له؟
طأطأت رأسها، وأشاحت بوجهها عني وغرقت في بحر من الصمت،
ولم تنبس ببنت شفة وكأنها لا تعرف الجواب أو تتحاشى الإجابة. أحسست من خلال صمتها
غير المبرر بأنها تُخفي أمرا مريبا عني، وكانت نظرات أبي المصوبة نحوها توحي بأنه
متواطئ معها في مؤامرة الصمت تلك..
متى سيعود سعد يا أمي؟ أعدت السؤال والانفعال بادي على مُحَيَّاي...
رفعَتْ رأسها عن الإناء الذي كان بين يديها، وقالت وهي
تنظر في وجهي وتمسد شعري بلطف وحنان:
سعد لن يعود يا بني، لقد رحل بعيدا...وصار ملاكا في
الجنة، يطير بأجنحته الطويلة فوق الأشجار الباسقة والأزهار اليانعة...
ولماذا صار ملاكا؟
لأن الأطفال عندما يرحلون من هنا يصيرون ملائكة...
وقبل أن تنهي كلامها
قاطعها أبي قائلا:
عندما تكبر ستعرف كل شيء..تعشى وقم لتنام..
أنهينا العشاء، ورتبت أمي الفراش الذي أتقاسمه مع أخي
الصغير ثم رافقتنا إلى الغرفة وهي تمسك بيدينا..
ولجت الفراش وعقلي الصغير منشغل بِسَعْدٍ الذي "رحل
إلى الجنة وصار ملاكا كريما"...
في الصباح، وقفتْ أمي تودعني عند باب المنزل بعد أن رتبت
أدواتي، وصففت شعري، ودسَّت في محفظتي علبتا حلوى، ورسمت على خدي قبلة الصباح...
خرجت من الباب متوجها إلى المدرسة، كانت ريح خفيفة تهبُّ
بين الفينة والأخرى فتعبث بشعري المصفف، وتلامس وجهي الشاحب، كنت أمشي وفكرة واحدة
تسبح في مخيلتي:
" سعد رحل إلى الجنة، وصار ملاكا يطير فوق الأزهار
كالفراشات الملونة"...
في طريقي تذكرت الحديقة القريبة من منزلنا، تلك الحديقة التي
تُخْرِجُنَا أمي إليها كل أحد، لا بد أن تكون هي الجنة التي ذهب إليها سعد، ففيها
أشجار باسقة وأزهار مختلفة الألوان، ربما يكون الآن يحلق فوق الأشجار يسابق
الفراشات الصغيرة الملونة، ويطير مع الطيور التي تَهِيمُ في السماء الزرقاء. ترى
هل سيتذكرني سعد؟ وماذا إذا لم يتذكرني؟...
أفكار عديدة
وأسئلة كثيرة كانت تتبادر إلى ذهني وأنا أعبر الطريق يمينا في اتجاه الحديقة...
ولجت الحديقة من البوابة الرئيسية، كانت خالية من
الضوضاء والضجيج، أشجار باسقة تكاد تلامس السحاب، أزهار حمراء وبيضاء وصفراء
مغروسة على جنباتها، ونافورة صغيرة تتوسطها...سرت بضع خطوات متوغِّلا داخلها، أجولُ ببصري في أرجائها تارة، وأتطلع
تارة أخرى إلى الأعلى. مرت عليَّ عدة دقائق وأنا في تلك الحالة حتى أعياني التجول
والنظر، ولم أعثر لا على فراشات تحوم حول الأزهار، ولا على ملائكة تحلق فوق
الأشجار...ناديت بصوت عالٍ:
ساااااااااااااااااعد، هل تسمعني؟ أنا عُمَر،
أين أنت؟
سمعت صدى صوتي يرتَدُّ في جنبات الحديقة، توهمتُ أن سعداً
سمعني. أعدت الكَرَّةَ بصوت أكثر جهرا: لقد اشتقت إليك...
على من تنادي يا ولدي؟ تناهى إلى سمعي صوت رجل عجوز قادم
من الخلف، على الأثر التفتُّ، كان عجوزا بلغ من الكبر عتيا، يعتمر قبعة صوفية
وجلبابا بنيا، في يده مكنسة ومجرفة وسطل أخضر يجره وراءه...
أنادي على صديقي سعد يا عم، قلت وأنا أدنو من "شبح"
العجوز..
ماذا يفعل صديقك سعد هنا في هذا الصباح الباكر؟ قال وهو
يجمع بعض أوراق الأشجار المتساقطة على الأرض بمكنسته..
أجبت وأنا أحملق في وجهه بعينين مغرورقتين بالدموع:
لقد رحل منذ
أيام محمولا داخل صندوق خشبي، ولم يعد منذ ذلك الوقت، قالت لي أمي أنه ذهب إلى
الجنة وصار ملاكا يطير بجناحين فوق الأشجار كالطيور...
صمت الرجل العجوز قليلا، ثم دنا مني حتى صار ملتصقا بي،
أمسك بيدي المرتعشة، وربت على كتفي وهو يقول:
لقد ذهب إلى جنة بعيدة جدا، يا بني...
قلت مقاطعا كلامه بلهفة غريبة:
هل تعرفها؟؟؟أين؟؟ أين توجد؟ أخبرني يا عم...
أجاب وهو يرفع رأسه نحو السماء ويلوح بسبابته إلى الأعلى:
إنه رحل إلى هناك، إلى السماء، إنه ينعم بالبهجة في تلك
الحديقة الغناء، يطير مع الملائكة من زهرة إلى زهرة...:
هل سأراه هناك وألتقي به في يوم ما؟، سألت وأنا رافع
بصري مثله إلى السماء..
أجاب وفمه يفتر عن ابتسامة عريضة:
نعم يمكنك أن تراه هناك في يوم ما وتلتقي به، إن كنت
رجلا صالحا....

