728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (15) ~ مهدي يعقوب ~

    خيال بين دروب الجامعة ...

    كان إحساسه بالحرية الجميلة رائعا ! فهو لأول مرة في حياته يعيش وحيدا ، بين كتبه ، و في منزل مستقل بذاته ، و كان السكن فوحيدا في حد ذاته ، شيئا جميلا ، و داعيا إلى التبرم في آن ، ذلك أن الإنسان خلق ليكون كائنا اجتماعيا بطبعه ، يأنس و يسكن إلى من هم يوافقونه في نفسه و عقله و مناط عيشه المسار ! كان البيت على صغره النسبي جميلا ، يتوفر على نوافذ تطل على مساحات لا بأس بها من الخضرة ، تنقلب شتاء إلى بياض بلون الشتاء ! و كان عليه أول الأمر أن ينظف شقته الجديدة ، و يعيد صباغة حيطانها ، و كان عليه أن يعتمد في كل هذا على نفسه ن لأن عمال الصباغة في ألمانيا كما هو الشأن بالنسبة لعمال كثر في مجالات كثيرة ، يشترطون سومة عمل كبيرة بالساعة ، الشيء الذي يثقل ظهر الأغلبية هناك في ذلك البلد ، فكان حتى الألمان يعتمدون على أنفسهم و أصدقائهم في صباغة دورهم ، الشيء الذي يوفر عليهم أوروهات كثيرة ، تذهب إلى جيوب العمال ! بدأ بالصباغة ، و حاول إتقان عمله ، بعد أن ابتاع معدات الصباغة ، ثم خطرت له فكرة أن يصبغ الأرضية الخشبية التي يتكون منها منزله ، كل منزله ، فكان أن صبغه بالأزرق الفاتح ، فكان الداخل إلى منزله ، كالداخل إلى حمام سباحة مفتوح ! و كانت الأرضية جميلة فعلا ، كان أول مرة يعيش فوق أرضية خشبية ، فكان حينما يتمشى فوقها ، يسمع أزيز الخشب ، كصوت شيخ كبير ، و يذكره كل ذلك بعصور أوروبا الوسطى ! فصل الشتاء هنا في ألمانيا ، فضاء مفتوح للكتاب ، أن تأتي بكأس شاي ساخن و بعض الحلوى ثم تجلس أمام الثلج المتساقط على الأرصفة و الطرقات و أسقف البيوت ، كفيل بأن يجعل الأفكار و المشاعر تنصب عليك كالنحل ينصب على حقل من حقول الرحيق ! و الأجمل فعلا في هذا البلاد ، أن مسؤوليها ، فكروا حتى في فصل الشتاء الشديد الوطأة ، فزودوا كل البيوت بالتدفئة داخلها ، و يقتطع واجبها كل شهر ضمن فاتورة الكهرباء ، فكان الأمر هكذا في المانيا ، يمكن أن تتجمد الطرقات و الشوارع ، غير أن المنازل مدفئة تدفئة أوتوماتيكية ، بكبسة زر ، أو دوران مقبض ! بلاد جميلة ، ذهبت حد الإتقان في تعاملها مع مواطنيها ! حتى إذا دفعوا فواتيرهم ، دفعوها و هم يعلمون أنهم لم يُهضم لهم حق قط إلا فيما شذ من حالات ! و إنه ليذكر ، أنه سمع من عامل في مجال الطاقة ، كيف شهدت ألمانيا كلها انحباسا في أنفاسها و أنفاس مسؤوليها ، حينما انقطع التيار الكهربائي بالكامي في ولاية ساكسن السفلى بكاملها ، نتيجة عطب كبير ، و تساهلت الحكومة في تقيي المشكل ، فكانت فضيحة مدوية لها على صفحات الصحافة ، و بين المواطنين ، و اضطرت الحكومة في الأخير إلى الإعتذار بشكل مباشر لسكان الولاية ، مؤكدة عدم تكرار هذا الأمر مستقبلا ، و فعلا لم يتكرر ، و استطاعت الحكومة أن تسيطر على مجال الطاقة في البلاد ، و فتحت المنافسة في سوقها لشركات كثيرة ، لكي تقضي على الإحتكار ، فكانت الدولة و الخواص يتنافسون فيما بينهم في تزويد المواطن الألماني بالطاقة ، و كان المستفيد في الأخير ذلك المواطن الألماني ، الذي يعامل كملك ! اليوم هو أول أيام دراسته ، خرج من منزله ، يملؤه الحماس ، رؤية أخرى ، أخيرا هو هو يسعى إلى هدفه المنشود ، يسارع الخطى ، يكاد يسابق البلابل و الحمائم المنتشرة هنا و هناك ، تسعى للبحث عن رزقها ، يحيى هذا و ذاك ، ممن سمحت له الفرصة بالتعرف عليهم ، و بريق في عينيه يسارع خطاه ، و سلك طريقا كلها أشجار ، و زقزقات الطيور تملأ أذنيه ، و هو يحمل بين جنبيه ، فرحا و سرورا ، و أملا ، و أشياء لم يقدر على وصفها في حينها ، حتى و إن كان خطى خطوات في مجال الكتابة ، غلا أن ذل ككان أكبر من كل استيعابه ، فرحة طفل بلعبته ، فرح لا يكاد يطيقه ، كذلك الذي كان به يحس حينما كان يؤم مدرسته ، حين الصغر ، عالم مصغر ، عالم جميل ، عالم التحصيل ، شيء آخر خارج هذه الدنيا ، كوكب يدور في فلكه الخاص ، و كان طوال الطريق يتذكر أفراد عائلته الصغيرة ، و كأنما يواعدها عن بعد ، كأنما يخاطب أباه ، أنه في الطريق إلى دنيا افتخاره به ، و رغم برودة الجو إلا أنه بدا كزهرة يفوح من جوانبها كل طيب الدنيا ، و كان يحب أن يحيي كل الدنيا ، حتى المخمورين الذين احتلوا فضاء هذه الغابة الصغيرة الجميلة ، و إنه ليجهل السبب الذي يجعل بعض الشباب ، يفر من هذه المتعة الكبيرة المسماة جامعة ! أقل ما يمكن أن يصف به جامعته التي فيها سيدرس بأنها قصر من القصور ! و لم يكن ذلك الوصف مجازا أو تورية ، بل كانت فعلا قصرا متكاملا ، كان يملكها أحد امبراطورات ألمانيا ، و كان يسكنها ، ثم تحولت مع مرور الزمن ، حلول الديموقراطية ببلاد الألمان ، إلى فضاء فسيح للتحصيل ، يتقدمها تمثال كبير لحصان منحوث ، يكاد من براعة ناحثه ينطق ، غير أن منظره ترك في قلبه منظرا مشمئزا ، ذلك أنه تذكر حرمة التصوير و النحث في دينه ، فمر عليه مر الكرام ، و وقف قبل دخول أبوابها الزجاجية الإلكترونية يتأملها ، إنه فعلا قصر قديم يذكر بالعصور الوسطى ، حينما كان البارونات يسيطرون على هذا المكان ، عجيب أمر هؤلاء الألمان ، يحولون تحفة فنية رائعة كهذا القصر إلى فضاء للتحصيل ، و زاوجوا بين عراقتها ، و بين التكنولوجيا ، فكانت الأبواب الإلكترونية تتماشى و تتناسق مع عراقة المكان تناسقا عجيبا ، دخل الباب ، فتراءت له ساحة واسعة ، واسعة جدا ، مقسمة أقساما عدة ، ففي أقصى اليسار ، صففت حواسيب متصلة بالإنترنت ، لتسهل على الطلبة بحثهم ، و في الوسط ، صففت كراسي ، من نوع فاخر انتظارا لاجتماع طلابي قادم ، و في جوانبها تتفرع طرق توصل إلى مختلف الجهات ، ثم أدراج توصل إلى الطوابق الأخرى المتبقية ، إلى بيوت و شقق القصر ، حيث يتم إنتاج العلم ! رأى أناسا و طلابا ، و ترائى له كل ذلك ، كخلية نحل نشيطة ، فهذا يبحث في الإنترنت ، و تلك ، تداعب حاسوبها المحمول ، و تواصل بحثها عبر الإنترنت ، بفضل تقنية الواي فاي التي توفرها الجامعة لجميع الطلاب ، فعلا كانت دولة تحترم أناسها ، و تحترم الطلاب ، على اساس أنهم مستقبل الغد ، و حاملوا شعلة ألمانيا من بعد حامليها اليوم ، و فرح أشد الفرح ، كون القدر أتاح له فرصة القدوم إلى هنا ، كما لم يجد كلمات يصف بها الفرق الذي يفصل جامعة في المانيا ، و جامعة في بلاده أو في أي بلاد من بلاد المسلمين ، و هنا يتحدث عن الجامعات الطلابية العامة ، و ليست الخاصة ، لأن هناك جامعات خاصة في مختلف بلاد المسلمين ، توفر الخدمات نفسها التي توجد في ألمانيا ، غير أن تكاليفها باهظة جدا ! راح يتجول بين اقطار جامعته ، و يتخيل نفسه كأمثال هؤلاء ، الذين تزين صورهم جدر القصر ، تلاميذ مروا من هنا ، هم اليوم أساتذة كبار ، و صور لعلماء ألمانيا ، و صور لأشخاص بارزين عالميا مروا من هناك ! خرج من الجامعة ، متع نظره بشكل الحشائش المختلفة ، و الورود التي تزين حديقة القصر ، فرجع قرونا إلى الوراء ، و تخيل نفسه بين بارونات ألمانيا ، و إقطاعييها ! يا له من جمال !

    إلى الأعلى