728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (15) ~مهدي يعقوب~




    دق على باب الشقة الثانية ، و هو يسأل الله أن يكون هذا البيت أحسن حالا من الآخر ، فتحت له امرأة في الخمسين من عمرها أو يزيد ، سبقها قطها ، إلى الباب ، و نظر إليه متفحصا ، فسمع له مواء عجيبا كأنما يرحب به ، و راح يراقبه من بعيد ، حتى قطعت المرأة حبل الوصل بين الإثنين
    ـــ أهلا ، هل أنت الجار الجديد ؟
    ــ نعم أنا هو ، اسمي مهدي يعقوب ، يمكنك مناداتي بيعقوب ، فهذا الإسم سهل في نطقه بالنسبة لكم ، يااكوب
    ــ مرحبا ، الظاهر أنك من المسلمين ، هل تتبع تنظيما معينا ؟
    ــ لا يا سيدتي ، أنا مسلم و كفى ، لماذا يجب علي الإنظمام لتنظيم معين ؟
    ــ لا أعلم ، أصبحت أخاف من المسلمين ، بسبب الأبراج !
    ــ و هل كل الالمان يمجدون هتلر ؟
    ــ كلا ، و هل في هتلر شيء يمكن أن نمجده من أجله ؟
    ــ لكل منا إيجابياته و سلبياته ، يمكن أن تغلب السلبيات على الإيجابيات ، غير أن هتلر ليس هو هو إبليس بعينه !
    ــ هذا حديث يطول ، هيا تفضل إذا كان لديك شيء من الوقت
    ــ لنترك هذا الأمر فيما بعد ، أنا اقوم بزيارة لكل الجيران الآن
    ــ حسنا سعدت برؤيتك ، أنا اسمي ستيفاني
    ــ سعدت بمعرفتك سيدتي
    و الحق أنه تملص من الدخول ، نظرا للخلوة ، و هو الذي تكلم توا عن إبليس ، سيجده بانتظاره بالداخل ، في كمين مركز ، هو الذي لا يأمن على نفسه الفتنه !
    نزل إلى الطابق الثالث دق الباب ، ففتح ، و كأنما ساكنه كان ينتظر طارقه !
    ـــ أهلا سيدي ، أنا جاركم الجديد ، أسكن بالطابق الرابع ، فوقكم تماما ، و أردت أن نتعارف من أجل تعامل افضل
    ــ أهلا أهلا ، تفضل ، ارجوك ، فقدماي لا يساعدانني على الوقوف طويلا !
    ــ حسنا ، دخل البيت ، فإذا به بيت ألماني تقليدي ، و صورة من القي عليه شبه عيسى عليه السلام متصدرة مكانا مشرفا على حائط الحجرة !
    ــ تفضل ، سأنادي على زوجتي ، و نأتيك بعد لحظات
    ــ تفضل سيدي
    بعد هنيهة أتيا ، يساعدان بعضهما البعض على المشي ، و جلسا قبالته
    بادرته المرأة قائلة
    إذا أنت جارنا الجديد !
    ــ نعم سيدتي
    ــ لم أعلم أن الحظ سيسعفنا و تشتعل هذه العمار شبابا من جديد !
    ــ لم يا سيدتي ، فهناك شابان يسكنان فوقكما !
    ــ لا تكلمني عنهما ، فهما يفعلان شيئا تشمئز منه نفوسنا ، و لو أننا كنا أنا و زوجي شابين ، ما بقينا في هذه العمارة !
    ــ في الحقيقة ، ذاك شيء مقزز فعلا ، غير أننا في المانيا !
    ــ لكل شيء حدود ، و حتى إن كنا في ألمانيا ، فهذا لا يعني أن كل الألمان موافقون لهذه القوانين التي تحكم هذا البلد
    ــ جميل
    ــ و ماذا تصنع في المانيا أيها الشاب ؟
    ــ جئت من أجل الدراسة !
    ــ و هل تنوي الرحيل بعد إتمام الدراسة ، أم أنك ستبحث عن وسيلة هنا من أجل البقاء ؟
    احس من خلال السؤال أنه يجر جرا إلى حوار بطعم العنصرية المقيتة و الخوف من الآخر ، و إلا فماذا تعني هذه الكلمة ، وسيلة من أجل البقاء ! فبادرها قائلا
    ــ لا أعلم هل سأبقى على قيد الحياة حتى الغد ، فكيف لي أن أدري !
    ــ لا يقول ما قلت إلا متدين !
    ــ الحياة بدون دين ضرب من الشقاء !
    ــ و بماذا تدين ؟
    فوجدها فرصة للإنقضاض و قال :
    ــ بالله الواحد الفرد !
    ــ حسنا ، سيطول بنا الحديث ، هل تريد شيئا من القهوة أم أنك تفضل الشاي ؟
    ــ كلا يا سيدتي لا داعي لذلك ! فيجب علي أن أكمل زيارتي الجوارية
    ــ حسنا مرة أخرى على أية حال ، فلتعدني أنها لن تكون آخر زيارة لك لنا ، و لا تسلك سبل أطفالنا الذين رحلوا عنا منذ زمن ، و لم نعد نسمع أخبارهم إلا في نادر النادر !
    ــ أعدك بذلك !
    حسنا مع السلامة ، أيها الشاب
    و الحق أنه أحس في نظراتهما بالخوف المبطن ، مما يعتقدان أنه يحمل من متفجرات فكرية و مادية ، و لم يعتب عليهما فذلك خطأ الإعلام الموجه !
    أحس بالضيق فقرر أن يخرج ليستريح ، فلم يكن من السهل أن يكلم هؤلاء الناس الجيران ، الذين يظنون أنه أتى إلى بلادهم غازيا و قبل أن يخرج من باب العمارة ، وصلت أذناه جملة جعلته يستدير بشكل مضحك ، من فرط التعجب و الخوف
    ــ ألا يمكنك أن تخفف من وطأة مشيك أيها الشاب ، أنا امرأة مسنة و لا أتحمل مثل هذا !
    ــ أرجو المعذرة سيدتي ، فلم أعر انتباها ، فعلا ، فقدماي ما شاء الله كبيرتان ، و الدرج في هذه العمارة مصنوع من الخشب القديم ، فينتج عن تفاعل الأخيرين شيء من الإزعاج ، سأعمل المرة القادمة على أن أمشي على أطراف أصابعي !
    ــ بالرغم من أنك أجنبي ، إلا أنك تتقن الألمانية شيئا ما ، و فوقها تتقن فن السخرية !
    ــ اشكرك على الإطراء ، و بالنسبة لسخرية ، فأنا لا أسخر منك ابدا ، إنما كنت أعني ما قلت !
    ــ هل جئت لزيارة أحد في هذه العمارة ؟
    ــ كلا أنا الجار الجديد الساكن في هذه العمارة !
    ــ ماذا ؟ كيف سمحت سيدة العمارة بأن تسكن فيها معنا أسمر بشرة !
    تقبل الإهانة بصدر رحب ، و أحس في قرارة نفسه ، أنه يجب عليه أن يخاطبها على قدر عقلها ، فسنها يوحي بشكل مخيف أنها من عصور النازية الأولى ! ، أجابها بهدوء :
    ــ يجوز لأسمر البشرة في أحيان أن يكون أبيض القلب كالحليب !
    همهمت بأشياء لم يفهمها ، لتقول :
    ــ لا أدري لماذا لا أشعر بالإرتياح لك ، و قل لي بحق السماء ، لماذا لم تحلق ذقنك ، و ما هذه اللحية التي تجعلك تظهر بمظهر أكبر من سنك !
    ــ شيء جائز أن لا تحبي اللون الأسمر ، و أن تميلي إلى الشقر ، فالألوان و الأطعمة لا تناقش ، لكل منا ذوقه الخاص ، فأنا مثلا لا أحب أكل السمك ، و بالرغم من ذلك ، لا أحب أن أحكم على طعام قبل تذوقه ! أما اللحية ، فلحيتي لا تزال صغيرة ، و عمري يظهر جليا علي ، ليست كبيرة ، كيست كثيفة !
    ــ في أيام هتلر ، لم يكن للسمر الحق في التجول في ألمانيا ، أما الآن .... يا حسرة على ايام الشباب الضائعة ، حينما كانت ألمانيا تسود العالم
    ــ و لماذا دمرت إذا كانت فعلا تسود العالم !؟ و لماذا انتحر سائدها ؟
    لم تجبه ، و اكتفت بتقطيب حواجبها بنظرة باردة ، لم يشعر لها بإحساس ، غير أنه أحس بتغير طبعها شيئا ما ، فواصل حديثه :
    ــ العالم كبير سيدتي ، كما أنه صغير جدا ، ألا تعتقدين أنه في أمكنة كثيرة في هذا العالم ، يوجد أناس طيبون يستحقون الإحترام ، و التحدث ، و الإطلاع على تفاصيل حياتهم ؟ أنا على سبيل المثال ، طالب هنا في المانيا ، و أنوي دراسة الصحافة ، فهل تسمجين لي بأن تكوني لي مرجعا ، بكونك امرأة عايشت عصورا تركت بصمتها على صفحات التاريخ ؟
    ــ لا يهتم أحد بامرأة مسنة مثلي ، إلا إذا كان أحمقا !
    ــ فاسمحي لي أن أكون ذاك الأحمق
    ــمن يتكلم بهكذا كلام لا يكون أبدا أحمقا !
    ـ كم سنك سيدتي ؟
    ــ شارفت على الخامسة و الثمانين !
    ــ تشرفت بمعرفتك سيدتي
    ــ تعال ، هيا تفضل في منزلي أيها الشاب ، تعال
    ــ حسنا ، فلنتكلم قليلا ، و لكن ليس قبل أن تعديني ، بعدم الحكم علي قبل أن تعرفيني جيدا !
    ــ أعدك
    دخل شقتها ، و طالبته هي بأن يخلع حذاءه ، و أحس و هو يخلعه ، أنه داخل إلى حقبة أخرى من الزمن ، كأن هذه الشقة مركبة كبيرة تسافر عبر الزمان ، كانت شقة بسيطة ، غير أنها حوت بين جنباتها الكثير من الذكريات ،و كان فعلا الداخل إليها يحس أنه في عصر هتلر ، كان كل شيء يوحي بعصور الثلاثينات و بداية الأربعينات ، صور لهتلر ، و صور أخرى لم يتعرفها ، حتى بادرته هي بالرد على سؤاله الذي لم يغادر شفتيه أصلا
    ــ أولائك أبنائي الثلاثة ، و هذه صورتي مع زوجي
    ــ و أين هم الآن ؟
    ــ زوجي غادر الدنيا ، و أبنائي عني تخلوا ، تخلوا عن الرغبة في رؤيتي منذ زمن ، ربما لأن نصف عقلي ذهب !
    ــ متأسف جدا يا سيدتي من أجل ذلك !
    ــ لا عليك ، عرفني بنفسك !
    ــ اسمي يعقوب ، سني 20 سنة ، و جئت إلى ألمانيا من أجل الدراسة ، جئت لأدرس الصحافة و الإعلام و قد قادتني الأقدار من أجل أن أعيش بينكم في هذه العمارة
    ــ يعقوب ، اسم جميل ، اسم نبي
    ــ هو كذلك
    ــ ما هي ديانتك ؟
    ــ ديني الإسلام !
    ــ أولائك الذين فجروا الأبراج في أرض أمريكا !.
    ــ و لماذا لا تقولين أولائك الذين يتبسمون ، و يضحكون ، و لأناس مهجورين يسمعون ؟
    ــ لا أدري لماذا تشعرني كلماتك بالخجل
    ــ جميل جدا ، ابتدأنا فعلا في اكتشاف طريق التفاهم بيننا
    ــ يا للسماء ، من كان يظن أن إديلتراوت ، تكلم اسمر بشرة في منزلها !
    ــ من هي إيدلتراوت ؟
    ـ ذاك اسمي
    ــ تشرفت بمعرفتك سيدتي ، هممم ، أين وعدك الذي أعطيتني ؟
    ــ لم يكن ذلك تعجبا ، بل تغيرا في طبعي ، فلا أخفيك أني لم أكن أحب الأجانب ، غير أني غيرت رأيي حينما تحدثت معك ، و الدليل أنني أدخلتك منزلي
    ــ أعتقد أن هذه الجلسة الصغيرة لن تفيدنا في شيء ، أعتقد أنني يجب أن أطلب منك السماح لي بزيارتك كلما سنحت لي فرصة الوقت و الفراغ !
    ــ بكل سرور ، مرحبا بك في اي وقت ، سوف اسعد بذلك !
    ــ حسنا ، أريد أن أتكلم لك عن أشياء أعلما ، و تكلميني عن أشياء أعلم بعضها ، و أجهل أكثرها ، مثلا أريد أن تكلميني عن هتلر ، و عهد النازية
    ــ و أنا اريد أن تكلمني عن دينك
    ــ بكل سرور
    حسنا ، أعتقد أنك مستعجل شيئا ما !
    ــ علي أن أذهب إلى التسوق ، ربما اراك غدا
    ـ حسنا مع السلامة
    ــ مع السلامة
    خرج من عندها ، ارتدى حذاءه الذي يشبه حذاء عسكري خارج للتو من ساحة وغى ، و فتح الباب ، و خرج ، كان الجو باردا ، غير أنه بدأ في التعود شيئا ما ، و كان قرأ ، أن المسلمين عموما ، و سكان افريقيا خصوصا ، لهم خصوصية التعود و التأقلم مع كل الأجواء و المناخ ، بنسبة تفوت الشعوب الأخرى ، ذهب إلى اقرب محل تجاري ، و قد كانت المحلات التجارية مرتعا كبيرا لأناس ، أدمنوا التسوق ، و كان يجدهم كلما أتى إلى ذلك المتجر ، و كان الشارع الواحد في ذلك الربع ، يحوي متجران إلى 3 متاجر ، كلها مصفوفة ، و كلها تحصل رقم مبيعات يومي ، يريحها ماديا ، بسبب إدمان الشراء الذي استشرى في مملكة الألمان ، كعدوى مرض خطير آت من بلاد الأمريكان ، النظام الرأسمالي ظاهر بشكل جلي في كل الأشياء المحيطة !
    في السوبر ماركت كان لديه وجهتان مفضلتان ، وجهة رفوف الشوكولاتة ، التي أحبها منذ صغره ن و لم يستطع يوما مقاومتها ، و رفوف الياغورت ، و الجبن ، و كانت ألمانيا وجهة مناسبة له ، فيما يخص هذه الأشياء التي يحبها ، فالأثمنة مناسبة ، و ذلك لأن ألمانيا تعتبر منتجة كبرى لمنتجات الألبان و الشوكولاتة ، و قريبة من سويسرا أكبر مصنع للشوكولاتة في العالم ، و هولاندا المشهورة بجبنها اللذيذ ، فكان حينما يأتي إلى المتجر ، يعرفه العاملون هناك ، و يشيرون إليه إذا كان هناك شيء جديد في السوق ، لذلك كان يخصص أوروهات مهمة من نقوده الشهرية من أجل أن يقتني ما يحبه ، ثم يذهب بعد ذلك إلى رفوف الخضر و الفواكه التي فقدت طعمها من فرط الكيماويات ، لأنه لم يستطع مقاومة حنينه إلى الطبخ ، فقرر أن يتعلم ، و أن يبدع في هذا المجال ، فليس من المعقول أن يذهب داذما للأكل في مطاعم المدينة ، لأن ذلك سيدمر جيوبه لا محالة ، و لأنه سئم ذلك ، فليس أحسن من الطبخ ، و أكل ما تصنعه يداك ، و ليس احسن من فار تجارب تجرب فيه طبيخك ، من بطنك و معدتك التي بين جنبيك !
    و كان عليه أن يرجع بما اشتراه ، حاملا إياه لأمتار معدودة ، فكانت رحلة التسوق دائما حلوة في بدايتها ، حازمة في وسطها حينما يصل إلى المكان المخصص لأكل النقود ، مؤلمة في آخرها بسبب الثقل الذي يجب عليه حمله ، و من ثم استيعابه لأربع طوابق متواصلة ، و في طريقه ، كان يشتري الخبز التركي الذي أحبه ، فقد كان الأتراك يصنعون خبزا عجيبا ، خبزة كبيرة ، تسمى فلادن بروت ، ب 50 سنتا ، بطعم حبوب تركية نباتية ، يعرف طعمها ، و لا يعلم اسمها و كانت هذه التجارة تدر ربحا كبيرا ، لأن الكثير من الالمان يقعون في غرام خبز الأتراك ، الشيء الذي يجعل المنافسة تشتد بين الأتراك و بين المخابز الألمانية ، التي تبيع خبزا ذا جودة رائعة ، غير أنه ليس في متناول الجميع من ناحية السعر ...
    رجع إلى منزله ، أحس بتعب ، فراح في نومة إلى غاية الفجر ، مستعدا ليوم جديد ، و مغامرات جديدة في دنيا الألمان !

    في غد إن شاء الله تعالى
    خيال بين دروب الجامعة !
    إلى الأعلى