728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (14)~ مهدي يعقوب~


    مرأة ثمانينية من عصور النازية ! لحسن قدره ، كان لا يتوفر على أثاث كثير ، فهو يكره تغيير مكان الإقامة ، و ما يليه من تبعات و تعب ، ربما كان ذلك عيبا ، غير أنه لا يحبذ ذلك ، كان من النوع الذي يفضل كل شيء مرتبا و مصفوفا في مكانه ، بدون تعب ، الشيء الذي اكتشف أن عليه تغييره في أقرب فرصة ، و إلا سيعاني من تبعاته ! لم يجد أدنى صعوبة في تغيير مسكنه ، و كان قبلا قد زار بعض المحلات من أجل اقتناء أشياء في المتناول ، تساعده على العيش ، كسرير ، و وسائد ، و أشياء من هذا القبيل ، و اتفق مع صاحب المحل على أن يوصلها له في العنوان الجديد للعمارة ، و هكذا لن يتعب و يكد ، دخل شقته ، و أحس لأول مرة بالحرية تملأ أركانه ، فلم يتعود أن يقلق راحة أحد ، لذلك كان عيشه بين اقاربه يؤرقه ، و بحث عن تغيير المسكن في أول فرصة ، كانت العمارة قديمة بعض الشيء ، الناظر إلى داخلها يخالها عمارة من عصور النازية القديمة ، و هي فعلا كذلك ، فهي مبنية في سنة 1912 ، و لم يكن ليصدق ذلك لولا إخبار صاحبتها له بذلك و تأكيدها على المعلومة ، ليتجلى له بامتياز إتقان الألمان لعملهم ، و تفانيهم في إكماله على أحسن وجه ، لأن العمارة بصراحة لا توحي بأنها من ذلك العصر ، شقته تقع في الطابق الرابع ، و قد كان معتادا على صعود الدرج ، ذلك أنه لم يعد و منذ بلوغه السابعة يستعمل المصعد المخصص لعمارتهم في بلاده ، و ذلك بسبب حادثة بسيطة ، جعلته يخاصمه إلى الأبد ، فقد سجن لمدة نصف ساعة على الأقل داخل المصعد بسبب عطل فيه ، و لم يسمع صرخات استنجاده أحد ، حتى ازرق وجهه من فرط الخوف و بدايات الإختناق ، فقرر أن لا يستعمله إلى الآن ، ليس كل المصاعد ، بل ذلك المصعد بالذات ! كانت أولى خطواته في هذه العمارة ، و هدفه ، هو التعرف على جيرانه ، ففي دينه ، أوصى النبي صلى الله عليه و سلم بحسن معاملة الجار و الجار بالجنب ، حتى و إن كانوا كفارا ، لذلك حرص أشد الحرص على التعرف إليهم ، و معرفة الأشياء التي يجب عليه اجتنابها و عدم فعلها ، خاصة جيرانه الذين يقطنون أسفل منه و بجانبه ... و كان الطابق الواحد يحوي 3 منازل ، خرج بعد أن نظف منزله ، و رتب أشياءه ، خرج ، و دق باب جاره الذي بجنبه ، و بعد لحظات فتح الباب ، فترائى له من ورائه شخص لم يتبين من ملامحه هل هو امرأة او ذكر ! و قد كان ذلك مخجلا فعلا ، فلم يعرف بماذا يناديه ، غير أن الوقت لم يسعفه من أجل اتخاد القرار ، و انتقاء الكلمات المناسبة لمثل هذا الظرف ، فقد بدأت نظرات التساؤل تبدو في وجه جاره أو جارته ، و خاطبه بلغة التشريف ، ففي اللغة الالمانية ، تكون لغة التشريف جامعة ، و لا تخص الذكر و الأنثى بفرق

    ــ أهلا بك ، أنا جارك الجديد ، و أريد التعرف إليك ! أجابه بلغة متغنجة

    ــ أهلا بك ، أنا ستيفان ، ابن مالكة هذه العمارة ، سعدت بلقائك ـ اسمي مهدي يعقوب ــ لا بد أنك مسلم

    ــ جميل أن تعرف ديانتي !

    مرت لحظات ، و أتى شخص ذو عضلات مفتولة ، و وقف وراءه ، و حياه بابتسامة فاشلة ، فتدارك استيفان الأمر و أخبره مفصحا عن هوية الشخص الذي يقف وراءه

    ــــ هذا رفيقي مارك ، و نحن نعيش سوية

    ــ أهلا مارك ، أنا جاركم الجديد ، و أتمنى أن لا أزعجكم ، أود أن أعرف الأشياء التي يجب علي الإبتعاد عنها من أجل راحة أفضل لكم !

    ــ أهلا ، لا تشغل بالك ، فأنا و حبيبي لا نهتم لذلك ! افعل ما تشاء !

    ــ حسنا

    ودعهما ، و فور إقفال الباب ، ارتمى على اقرب حائط مسلما ظهره له ، بدا في أول وهلة كمن تطلع إلى شيء مخيف ذهب بماء وجهه ! ماذا تعني كلمة حبيبي التي جاءت على لسان هذا الشخص ؟ هل يمكن أن... ؟ كلا كلا ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ! تبين له فيما بعد أن جاريه من قوم لوط ، و أنهما يفعلان الفاحشة ليل نهار ، و يزلزلان عرش الرحمن ! يا للهول ، أي الأشياء هذه ، و ما هذه البلايا ، لم يكن يعرف لهذه الأشياء طريقا في قاموسه ، و الآن يعايشها ليل نهار ، أمامه و في جنبات منزله ، صدم بما رآه و سمعه ، كيف يستطيع ذكر أن يعايش ذكرا آخرا معايشة الزوج لزوجه ! أي انتكاس للفطرة هو ! نعم إنه ليعرف أن فعل قوم لوط ينتشر في بلاده ، و هو موجود ، و منتشر أيضا في الكثير من البلدان الإسلامية ، غير أن رؤيته لذلك أمام عينيه ، بشكل شبه مقنن ، جعله يشعر بالغثيان و الصدمة ، فالقانون الألماني لا يجرم مثل هذه الأشياء ، و لا دخل له في السلوكات الجنسية لمواطنيه ، وكل حر في أفاعيله ، ما دام لا يؤذي الغير ، و لكنه يتأذى كمسلم من ذلك ! و كيف له أن يتعامل مع هؤلاء ، و أن يحسن عشرتهم كجار ، وهو أصلا لا يطيق ما يصنعون ، إنها معادلة صعبة بكل ما في الكلمة من معنى ! المهم ، ظل مصدوما لدقائق ، و هو يصارع أفكاره ، و حاول إقناع نفسه بفسخ العقد ، الرحيل إلى مكان آخر ، غير أن صعوبة البحث من جديد على مسكن ملائم ، و ثمن مناسب ، وقفت حاجزا أمامه ، فعدل عن فكرته ، و قرر أن يستمر في العيش في هذه العمارة ، و أن يتجاهلهما ما لم يوجها له كلاما أو يطلبا منه شيئا ، فأخلاقه لا تسمح له أن يعامل أحدا لم يصبه بأذى بجفاء ، حتى لو كان شاذا !
    إلى الأعلى