باغته الإلهام و هبب من تحت فراشه توجه إلى الحجرة الأخرى المتئكة على غرفته وبغتة جلس العازف على الناي نواز على الأرض وحرك قوساه المتجهتان نحو رأسه ليرد إلى الوراء شعره الطويل المنسدل على جبينه و أشار إلي بسبابته الطويلة أن أناوله الناي الذي كنت أتخبطه منذ قليل أمسكه بين أنامله الناعمتين ثم وضع رجليه على الأرض ثم راح يسوي الأنغام بلباقة و خفة متناهيتين و ما أن إستقرت أنامله فوق الناي حتى خفت صوت هادئ و رزين وماتت كل حركة من جسمه وصار كالجاثم و كل نحنحة أو سعلة أو وشوشة تباغته تارة تلو الأخرى و مضى في عزفه و أنا التي كنت بمحاذاته كأنني في حضرة ساحر عظيم أميل إذا مال وأجمد إذا جمد و أعبس إذا عبس وأبتسم إذا إبتسم و عندما كان يعزف لاحظت قطرات دموع تنساب من عينيه كأنه يعزف من قلبه لا من فمه وبلغ من عزفه فترة راح فيها الناي يشكو وينوح ويستغيث إلى أن زفرات حادة تتصاعد هنا و هناك من لب صدره ومع كل زفرة نشيج متحرش ومخنوق و مالبث أن إنقلب عويل الناي رأسا على عقل و أنامل العازف سقطت على الأريكة و توقفت دموع عينيه الجاحظتين على الإنسياب فإذا بي وعيناي عالقتان بالعازف و نايه و أحس أن عنق العازف إلتوى كعنق زهرة تذوى ثم أحسست أنه جسده تقطنه أحاسيس و آلآم التي لا سيما أنه رعرعها داخل ذلك الناي الذي إكتفى حضيض القناعة بما مر به من عزف أطلت على الحجرة شمس من عليائها و إرتوت الحجرة بنسيم منعش أيقظ نشاط العازف وقدرته ثم أسند رأسه إلى ذراعي مثل ما كنت أفعل و أنا طفلة

