728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (9) ~ مهدي يعقوب ~

    بالرغم من أنه درس اللغة الألمانية في بلاده و كان فيها من المتفوقين ، و كان له من الإمتياز على الكثير من المسلمين في ألمانيا أن درس الألمانية لثلاث سنوات متواصلة ، إلا أنها لم تسعفه في التواصل حينما وضع على المحك أمام الألمان ، و كان عليه أن يصل إلى حل من أجل قضاء مصالحه هناك ، و أول مصلحة هي تسوية وضعيته القانونية ، و تسليم ملفاته الإدارية إلى مصلحة الهجرة ، و التي سيتكلم عنها بإسهاب في حلقة قادمة ، انتابه ما يشبه الصدمة حينما سمع الألمان يتحدثون ، فأذنه لا تزال متعودة ، على لغة عربية ، و لهجة محلية ، صحيح أنه كان يدرس الألمانية ، غير أنه و بمجرد خروجه من الفصل ، تنقطع علاقاته بتلك اللغة ، إلى غاية الدرس الموالي ، ليسلم أذنيه ، إلى لغته المحلية ، أما في ألمانيا ، فكان الأمر مختلفا ، فالدراسة بالألمانية ، و حين الخروج ، التعامل يكون أيضا باللغة الألمانية ، و لم تكن الألمانية التي تعلمها في بلادة بمغنية شيئا عنه في بلاد الجرمان ، ليكتشف حينها أنه ما تعلم إلا أسس اللغة ، أما اللغة و فنها ، فتتواجد في ألسن الناس ، و في أسواقها الشعبية ، و في مقاهيها العجيبة ، و التي نادرا ما تخلو من آثار الخمر المدمرة ، ليجد نفسه في عزلة شبه تامة ، و ارتباك و عقدة في لسانه شديدة ، و علم أنه لو استمر في العيش و الإنزواء بين أفراد مسلمين يتكلمون العربية و اللهجات المحلية فقط ، فسيكون ضحية جديدة ، إلى جانب ضحايا عدم الإندماج ، و الذي يكون في غالبية الأحيان اختياريا ، لأن من يعيش بين أصدقاء عرب ، و لا يتكلمون الألمانية ، يظل في نقطة البداية و لا يتحرك ، في الوقت الذي يجب عليه أن يلحق سريعا بقطار الدراسة !
    و الحقيقة أن الصعاب التي واجهها في أول مشواره في المانيا ، و خاصة الصعاب اللغوية ، كانت شديدة الوطئ جدا عليه ، و كانت أكبر حين اعتقد أن ما درسه في بلاده لن ينفعه بتاتا ، غير أن العكس كان صحيحا ، فما تعلمه في بلاده ، ساعده جدا في بناء ، أو تكملة بناء قدراته اللغوية ، خاصة و أنه كان ثرثارا بطبعه ، بالرغم من أنه يظهر دائما بمظهر الصموت السكوت ، أخذ في أول الأمر يتقرب من الألمان ، في الطرقات ، و في المساحات الخضراء العامة ، من العجائز و الأطفال ، و عمل في أول الأمر فقط على الإستماع لكلامهم و دردشاتهم ، وقصصهم ، و بدأ أول ما بدأ بالكلام مع الصبيان ، و الصغار ، حتى كان الآخرون يظنونه ، مجرما يتحرش بالصغار ، أو يحاول خطفهم ، لأن حالات الإختطاف التي تستهدف الأطفال في ألمانيا و أوروبا مرتفعة نسبيا ، و توضح له بالملموس أن لغته لا تساعده في التواصل ، و أن مخاطبه يلزمه من المجهود لفهمه ، ما يقضي في حينه دقائق ثمينة ، زيادة على المجهود العصبي ! فكان الحل الأمثل أن يستقر في بيئة ألمانية خالصة ، و أن يبتعد و لو قليلا عن بيئته العربية المسلمة من أجل أن يخرج من ورطته اللغوية المشكلة الثانية التي كانت تواجهه أيضا في المجال اللغوي ، هي ضعف لغته الإنجليزية ، و هي لغة لا يستطعمها لسانه و لا فلبه ، بعكس اللغة الألمانية التي يريد فعلا إتقانها و التكلم بها ، ليجد أن اللغة الإنجليزية ، مهمة جدا ، خصوصا في مراحل دراسته المتعددة ، فأصبحت المشكلة مشكلتان ، أولاهما مقدور عليها ، غير أن الثانية سيبحث لها عن حل مرغما ، كمريض يشرب الدواء ، مر هو نعم على خلايا لسانه ، لكن مزاياه كثيرة ، بعض فضل الله !



    ربما كان سبب عزوفه عن اللغة الإنجلزية ، هو ارتباطها بسياسة الأمريكان في شتى أنحاء العالم ، و جرائمها المتعددة في حق الأبرياء ، ربما هكذا كان !
    كانت أيامه الأولى في هذا البلد أشبه بطفل صغير يكتشف عالما خارجيا جديدا عليه ، و كان ينظر إلى أشياء كثيرة بانبهار لم يكن ليفهمه من عاش هناك و عليه تعود ، أشياء لم يكن ليحلم برؤيتها في بلاده ، و لا في بلدان الأعراب مجتمعين ، نظام أشبه بنظام العاب الفيديو ، نظام لا نراه عادة إلا في التلفاز و أفلام الأمريكان ! الوقت مقدس جدا هاهنا ، و بناء على احترامه من عدمه ، يُحكم هنا على شخصية الإنسان ! هو الذي أتى من بلاد ، لا يحترم أغلب ساكنيها الوقت إلا لماما ! هنا الدقيقة الواحدة تفرق كثيرا ! تؤثر كثيرا ! ها هنا ، يجب على الإنسان أن ينظم حياته ! أن تكون له أجندا يدون فيها ما يجب عليه فعله يوميا ، من أجل أن تصبح آدميا بالفعل ، يجب على الإنسان أن يستورد هذي الصفات إلى بلاده ، لا أن يستورد الأشياء السلبية ! أخلاق رفيعة جعلت كل الأشياء تبدو في عيونه وردية جميلة ، جعلته يبدأ حياته من جديد ، حياة في عالم آخر ، مستقل عن كل ما عاشف في عالمه في بلده ، ساعده في ذلك ، أنه كان مؤهلا حتى حينما كان في بلاده يقطن للعيش بآدمية ، فكان منضبظا في أوقاته و مواعيده ، و يطلق عليه أصحابه لقب : الساعة مثلا ، كان بعيدا جدا عن النفاق ، و يسمي الأشياء بمسمياتها ، و الأهم من كل ذلك أنه كان يسكن مدينة كبيرة كونها بنفسه ، و اختار لها سكانها ، و مرافقها اسمها : مدينة الكتب !
    قرر في حينها ، أن يعيش لوحده بعيدا ، و أن يبحث له عن مكان لا يوجد به إلا الألمان ، و يا حبذا لو كانوا من المعمرين ، لأن فيهم و معهم سوف يطور قدراته اللغوية ، و هكذا كان !...

    في غد إن شاء الله تعالى :
    ليندن ... فسيفساء عالمية !







    طاقم مدونة الأدب
    إلى الأعلى