728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    تناص مع مقطع من رواية ~ يوسف التزراتي~

    ــــــــــــــ
    ذاك الطيف يراقبها، يتابعها، لا يتركها، كأنه يريد أن يخبرها بشيء هي حتما تعرفه، هي أصلا لا تصدقه، وكيف تصدق طيفا يزورها كل ليلة، يعذبها بنظراته، يقتلها بحركاته ألف مرة، كيف تصدق همسه وهي لا تفهم قصده؟ تراه جاء ليخبرها بضرورة الرحيل، تراه يحاول افهامها ان الفراق هو المصير؟


    image



    كأنه يدرك أن علاقتها بزوجها لم تعد تطاق، فهي مؤخرا أصبحت شخصا آخر غير ذاك الذي كان يعرفه، أصبحت كجسد روحه ثائرة في العالم مسافرة، تسأل عن الموت وماهيته، وعن الحب وضرورته، وعن الضمير وصحوته، ...... تسأل ولا مجيب، وتنظر الى مرآتها الكبيرة وتتمتم بحروف غير مفهومة، أيعقل ان يكون وجهي هو انعكاس خارجي لما هو بداخلي؟ أيعقل ان يكون وجهي وفقط هو أنا؟ لماذا يختزل الجسد جميعه في الوجه؟ لو كنت بلا وجه جميل أكان زوجي سيقبلني؟ لا أفهم حقا لما يركز الجميع على ملامحك وينسون كل شيء عداه، أهو هوسهم بالمظاهر؟
    وما نفع الثياب وهي تستر كل شيء عدا عورة بعضهم، وهل هناك عورة أقبح من عورة العقل العاري من الأفكار المتجرد من البصيرة؟
    ما بالك أيها الطيف ألا تمل؟ قد أكملت ليلتك الأربعين معي ولا شيء فيك يتغير؟ نفس النظرات ترمقني بها، نفس الحركات التي توترني، لعل زوجي هو الآخر يراك ويخشى البوح لي؟ لعلي أعرف سرك الليلة؟
    دخل زوجها وعلامات التعب بادية عليه، وقبل أن يجد له مكانا فوق السرير بادرت هي بالكلام وعيناها مركزة على الطيف المنزوي بركن الحجرة، وكأنها تسأله، طفقت تقول: أهناك حياة أخرى غير التي نعيشها؟ حدجها زوجها بنظرة مستشفة، وأخد يحرك رأسه ويرفع كفيه كمن يستنكر ولسان حاله يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم أردف قائلا ما بالك أيتها المرأة تهلوسين؟
    أتود العيش معي حتى في ذلك العالم الآخر (قالت وعيناها مازالت مثبتة في الطيف)؟ فغر الزوج فاه وحملق فيها مذهولا ولم ينبس بكلمة، تراه أيضا لا يريد أن يعترف أن لا حب يجمعهما، وأنه لا يريد العيش برفقتها حياة أخرى سيما وأنها حياة أبدية لا موت ينهيها ولا شقاء يفنيها، وتراها أيضا لا تستطيع التصريح له، فالزوجان معا تقبلا واقع أن يعيشا كجسدين لا يتشاركان غير سرير جامد لا يسمع صوتا، وشيئا من الكلمات الباردة برود مشاعرهما، وعدد من السنوات الدافئة إلا من الأحاسيس، ومع ذلك فلا أحد منهما يجد الشجاعة ليعلن للآخر عن تمرده، يدعيان دوما ان كل شيء على ما يرام، والحقيقة عكس ذلك، فما هو الجيد في الأمر إن كان الرابط الوحيد بينهما ورقة؟ ما الجيد في الأمر وكلاهما يعيش حياتان منفصلتان؟ إحداها برفقة الثاني والأخرى برفقة نفسه التائهة، ومع ذلك ظلت الزوجة تظن دوما أنها يوما ما ستجد الشجاعة لتضع حدا لزواج لم تأخذ منه غير الشقاء وتعاسة بحجم السماء،
    لكنها وقبل أن تفعل باغتها طيف المنون فجأة وقرر أن الوقت حان ليمنحها راحة مؤقتة قبل أن تنتقل لعيش الحياة الأخرى في العالم الآخر.
    ـــــــــــــــ



    طاقم مدونة الأدب
    إلى الأعلى