728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    شعاع أمل بعيد وراء البحر (1)بقلم Kawachi anti kulchi

    كان عاشقاً للحياة رغم نكرانها له ، يمني النفس دائماً بأن القدر سوف يدير الوجه الثاني للميدالية ويفرح بوجهها المبشور بالأخبار السارة ، لم يكن مثل الأطفال في جيله ، لم يكن يهتم بلعب كرة القدم في آخر يومين من الأسبوع ، ولم يكن معجب بالرسوم المتحركة ، كان يعرف حق المعرفة أن النهاية السعيدة قادمة لا محالة ، فلم يجد يوما أي إثارة في مشاهدتها ، كان بريء ككل الأطفال ، كان يظن أنه أكثر طفل يحب أمه في المعمورة رغم أنه لا يملك أي ذكرى معها ، لم يكن محباً للشغب في القسم ، ولم يكن يسعده مشاهدة عراك بين اصدقائه ، على العكس ، كان يحب كل شيء جميل يحمل في طياته الرحمة والحب والمسامحة ، يحب الألغاز التي يجد صعوبة في حلها ، وكان الفرح يسيل من مسام بدنه الأبيض الصغير عندما يحل لغزاً كان قد حكى عنه أباه بأنه لن يستطيع فك شيفرته هذه المرة ، كان طفلاً مفعماً بالحيوية ، لا يبكي عندما يرفض له أبوه أي طلب له ، لأنه كان متأكداً من حبه له ، وكان يعلم أنه إذا خالف أحد أوامره سوف ينال عقاباً قاسياً ، ليس منه طبعاً ، بل من قسوة الحياة التي بات والده يعرف قوانين سيرورتها عن ظهر قلب ، وأنه لا مجال لمخالفة الأوامر ، بل لتطويرها لعدم الوقوع في الأخطاء التي كان يشتكي منها أبوه كلما ضاقت به الدنيا ، كان وحيداً يحلم بأخ أو أخت يجعلان لوجوده معنى أكثر ، أخ لكي ينافسه في حل الألغاز بندية ، أخت تساعده في حل واجباته المدرسية رغم عدم حاجته لأي مساعدة ، كان يعلم أن كل هذا لن يحصل أبداً ، بل من المستحيل حدوثه ، لكن لم يسجن أبداً مخيلته من التفكير ، بل كان يحب إحساس تطاير شرارات إصطدام المستحيل مع الحلم ، وكان يعلم أن الخيال هو العالم الوحيد الذي يجعل منه حرا ، بل كان يحاول أن يتفنن ويبدع في أحلامه ، حيث كان يمني النفس برؤية أمه في حلم رغم وجود صور لها مع أبيه ، صور زفاف لم يدم طويلاً ، صور شهر عسل دام أسبوعاً واحداً على حد قول والده ، كان يريد أن يرى ملامح أمه تتحرك ، على أمل أن يفهم تقاسيم وجهها الجميل ، كان يكره فكرة القيود في الأحلام ، حاول دائماً نزع حاجز الواقع ليغوص في عالم الأحلام اللامتناهي ، فكرة من غير المجدي التفكير في حلم مستحيل كان يكرهها ، لأنه لطالما إعتقد أن المستحيل كلمة كان من الأفضل عدم وجودها ، أو على الأقل عدم معرفتها وفهمها في عالم يحاول تحطيم أحلامه ، وما الحياة حياةً إلا إذا عشناها كما تشتهي أرواحنا...
    إسمه فادي ، كان يتناسى عمره دائماً ، لكن كان ذكياً لدرجة أنه يسرع في حساب كم من سنة مرت منذ ولادته ليجيب بسرعة " 14 سنة " ، وسيم وذو بنية نحيفة ، لا مبالي بما يعيشه اصدقائه من أوهام كما كان يعتبرها من اللباس و الموضة ، بل كان حسن الهِندام ، يكره ممارسة الرياضة بصفة عامة رغم درايته بفوائدها ، عديم الإهتمام بان يكون قوي البنية في المستقبل كاحلام الأطفال في سنه ، بل كان متأكداً في أنه لا يحتاج لكل هذا مادام هو يعيش في مجال حضاري إسمه المدينة ، كان يحب مناقشة كل ما هو محوري في حصة الرياضيات لعشقه لكل ما يمكن التعبير عنه بأرقام ، يحب زملائه بدون إستثناء ، يكره غباوة اصدقائه أحيانا إتجاه الفتيات ، وإتجاه الأولاد احيانا أخرى ، لأنه كان في كل مرة يتحسر على عدم وجود أخت في حياته لكي تقلق عليه ، وعدم وجود أخ له يحلم بجسم قوي أيضاً ليدافع عنه رغم أنه غير مبال بهذا ، ورغم كل هذا فكان دائماً يردد جملة " لدي أب يلعب كل هذه الأدوار في حياتي ، ذلك هو الأهم ".


    image



    في يوم مشمس من أيام شهر ماي الجميلة ، طقس معتدل كما اعتاده في الأيام الأخيرة ، يد تداعب خده وشعره ، لتنزع عنه بعد ذلك الغطاء بهدوء ، وصوت خافت يحمل معه الحنان والحب الصادقين:
    -استفق يا فادي ، استفق يا بطل.
    شعر بأشعة الشمس تتسلل عبر النافدة لتلامس جلدته النظيفة ، ومن دون أن يفتح عينيه ، عرف أنه والده ، ليس لأنهما وحدهما في المنزل ، وليس لتعرفه على صوته ، بل هي الطريقة المعتادة لوالده في ايقاظه من النوم للذهاب للمدرسة التي شارفت علا نهاية سنة دراسية جديدة من سنواتها ، ليرد بصوت مليء برغبة قاتمة في النوم:
    -أجل أجل أنا مستيقظ منذ وقت طويل.
    -إذن ما بالك لم تستفق ، هيا ، بسرعة سوف نتأخر.
    وبعد صراع طويل مع ذاته ، إستفاق ليعيد روتينه الذي لن يتخلى عنده ما دام أبوه يحثه عليه ، رشق وجهه مرات متتالية بالماء لكي يبعد عنه شر النوم لينظف بعد ذلك أسنانه بسرعة ليجد ككل يوم أباه ينتظره لتناول الإفطار سوياً ، تناول القليل كما جرت العادة ليخرج مهرولاً لكي لا يتأخر عن الحصة ، اجل إنه يوم إمتحان ، إمتحان يعشقه ، يعشق أن ينهيه في أقل من نصف المدة المتاحة من طرف الأستاذ ، أجل ...
    إلى الأعلى