728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    بلاد الطيبون والطيبات ~ عبد العزيز الزاي ~



    منذ غشت 2010 وأنا في هذا البلد المضياف، أعيش معززاً مكرما ، لم يخطر لي في بالي انني ضيف...
    بل جعلوني أندمج معهم بسرعة وبدون احم ولا استأذان.
    في هذا البلد تعلمت الكثير وغاب عني الكثير (كما قال الطيب صالح)، تعلمت الطيبة والكرم والضيافة والصبر والسلم والسلام... تعلمت التواضع وفن التعايش... تعلمت أن أحب بلا حدود...
    دعوني أصدقائي العزاء أن أشارككم بعض خواطري في هذا البلد المضياف، حيث الحياة الطيبة و العبش الكريم...
    سأتكلم لكم هذه الأيام عن طيبات السودان (نساء السودان)، عن مكانة المرأة في المجتمع السوداني...
    إن التاريخ السوداني مليء بنساء كن وأصبحن رموزا، كن يقدمن المشورة والدعم والدفع للرجال.
    سأتكلم لكم عن الحَكّامات (بفتح الحاء وتشديد الكاف).
    تعد الحَكّامات بمثابة إرث ثقافي سوداني محض، كن ينشدن الشعر العامي من أجل الثيات والصمود عند مقابلة العدو وفي لحظات الدواس. وكان أشهرهن "مهيرة بت عبود" و "بنونة بت المك نمر".
    الحَكّامات، هن نساء ولا كل النساء، مميزات و ذوات مكانة مرموقة، ذوات مكانة إعلامية عالية في مجتمع غرب السودان، في مناطق دارفور وكردفان.
    إنهن المسؤولات أو المساعدات على وضع قوانين وأسس المجتمع في الأخلاق والشجاعة والكرم والجود، من خلال أشعارهن وأهازيجهن وأقوالهن المرتجلة.
    كما انهن يعتبرن حافظات للتراث السوداني الأصيل، لتراث القبيلة و تاريخها وكذا سير رجالاتها.
    ونظراً لمكانتهن و دورهن الريادي والإعلامي على الخصوص كنساء مؤثرات، بدأت بعض الجهات في توظيفهن للعب دور ريادي في مجال التوعية الأسرية وفي خدمة القضايا الإجتماعية وكذا في محاربة العادات الضارة ومحاربة الصراعات القبلية.




    عدنا ثانية إالى طيبات السودان والعود أحمد...
    سنتكلم اليوم عن إمرأة سودانية – بل عن ملكة عظيمة – ملكة حكمت بقوة وذكاء ، إنها ملكة الملكات "أماني ريناس" الشهيرة بالكنداكة. وهي من عظيمات ملكات مملكة نبتة.
    يقال أن لقب كنداكة يعني الزوجة الملكية الأولى، و هذا اللقب المروي (نسبة الى حضارة مروي) هو لقب نوبي و Candace هو أصل الأسم.
    لقد إستطاعت هذه الملكة أن تهزم الرومان، وذلك بذهائها ومكرها وقوة شكيمتها. كما أنها كانت تشتهر برجاحة عقلها وبإسترجالها.
    أجل كانت مسترجلة إلى أبعد تقدير... وهو وصف يتوافق مع مظهر الإسترجال والقوة البدنية التي تعكسه مناظر ملكات مروي العظيمات، والتى نشاهدها على معابدهن و مدافنهن في مناطق البجراوية.
    إن مدلول كلمة كنداكة يعني الملكة المتمكنة من العرش... بالفعل إستطاعت هذة المرأة العظيمة أن تسيّر دواليب حكمها بجدارة وإستحقاق، كما إستطاعت أن ترغم الإسكندر الأكبر – بذهائها و ذكائها- وأن تذله وتجبره على كتابة عهد رغم أنفه، يقر فيه بسيادتها على كامل أرض الذهب.
    لهذا أدعوك يا زول "يارجل" أن لا تباري كنداكة السودان وأن تراضيها واعلم انك إذا كنت معها كانت سنداً ورداءً لك... وإذا كنت ضدها فلا تلومن إلا نفسك...اقرأ من الآن على نفسك السلام.


    ونحن نتكلم عن حواء السودان يخالجني شيء في خاطري إني أشترك معهن في شيء على الأقل، سأبوح – ولو بإستحياء – وأرتاح.
    إنني مثل الكثير منهن، لا أبوح بعمري... ، بل أستطيع أن أقول أكره وأحس بالدم يتدفق من عروقي هانجا مسحوقا لما أسمع عبارة "كم عمرك؟"، دا سؤال يا ناس تسألوه!!!
    في أواخر 2011 في الخرطوم، لزمتُ الفراش مُكرهاً، وأنا أحس بألم لا يطاق... المهم جاء لزيارتي صديقي العزيز "سامي مبارك" فأجبرني على زيارة الطبيب، أخذني بسيارته الخاصة حتى العيادة.
    فلما دخلنا إستقبلتنا السكرتيرة بأسئلتها الروتينية... حتى فاجأتني بسؤالها السمج "كم عمرك؟"، والحق يقال، تسمرت في مكاني، وأطلت التفكير، تلو التفكير... وسامي ينظر الي بنظرات غريبة وكأنه يقول: "الزول دا ما عارف عمرُه ولا إيه؟".
    يومها عرفت لماذا كان شاعرنا كامل الشناوي يقول: (عدت يا يوم مولدي... عدت يا أيها الشقي). فبعد مرور الوقت صرت أتحاشى ذكر عيد ميلادي، بل أكره حتى من يعطيني هدية أو من يذكرني فيه.
    أذكر كذلك انني كنت اكره، بل يفترسني الغضب ويجن جنوني، عندما كانوا يسألوني في كورسات الإنجليزية ذلك السؤال الغبي "How old are you?" ، كنت أخرج من القسم، أجل يطردني هذا السؤال من القسم... وأنتظر خارجا حتى ينتهوا من غبائهم ثم أرجع لأتم معهم الدرس.
    وفي نفس العام أذكر أنني قمت بفتح حسابي في الفيسبوك، وكالعادة نقوم بلأجوبة على بعض الأسئلة الضرورية لفتح هذا الحساب... لم أنتبه لكون ذلك السؤال الغبي سوف يلاحقني كل سنة،بل كل عام هذا المعتوه يبرق مواسيا ... أقصد مهنئاً "كما قالت الأخت ناهد قرناص" عن تاريخ ميلادي... وتنهال علي بعد ذلك عبارات "كل سنة وانت طيب" "عيد سعيد" من حيث ندري او لا ندري.
    وأخيراً اهتدى بي تفكيري إلى أن أفتح بلاغ في صاحب الفيسبوك، وأكون أول من سيتابعه قضائياً على هذا السؤال السمج.







    كان الشارع صامتا، كأن الصوت لم يخلق بعد.. بعد سويعات من الزمن، سمعت أهازيجا وفرحة وأعلاما ترفرف.. المهم فرحة شباب وشابات.. كأنهم كانوا صياما عن الفرحة منذ أمد بعيد.... قلت في نفسي ( أنا هسع لازم أعرف إيه سبب الضجة دي كلها). علمت بعدها أنها جماهير فريق الهلال السوداني وأنا أشاركهم تلك الفرحة، وأري تلك الأعلام ترفرف، دار في ذهني وتذكرت تلك المرأة الفاضلة، السيدة السريرة مكي الصوفي، مصممة ذلك العلم –علم السودان- بالفعل كان الحدث كبيرا آنذاك... ومن داخل البرلمان يوم 19-12-1955م تم الإعلان عن إستقلال السودان فرحة كبيرة دفعت هذه المعلمة الجليلة، للتفكير في تصميم العلم بعد أن نظمت قصيدة بعنوان ( يابلدي العزيز...اليوم تم الجلاء).
    هذه السيدة الحرة ، قادتها عزيمتها إلي إرسال تصميمها إلي الإذاعة عبر شقيقها السيد حسن مكي.
    هذه الألوان الثلاثة ... كان الأخضر يعني لها الزراعة، والأصفر الصحراء، والأزرق النيل العظيم، وفي مسيرة الإستقلال إرتدت فنانتنا (حواء الطقطاقة) هذا الثوب السوداني ذو التصميم الذي حاكته أنامل هذه السيدة العظيمة.
    نطلب دوام الفرحة علي هذا البلد وعلي أهله...


    اليوم سأغير الوجهة قليلا......  لأكلمكم عن صديقي الصدوق عن "رجل جليل وتشوف بوجهه الخير كله" عن شاعرنا وأستاذنا ...عبدالجليل محمد خير... أعز هذا الرجل كثيرا وأحترمه.... وأطال الله في عمره...
    كان في فترة الستينات في منطقة كوستي ، كان يسكن قريبا من ضريح السيد حسن ميرغني فكان يطل بيته هذا المزار... يحكي أن إمرأة حلمت في المنام أن هذا المكان هو مزار السيد حسن ميرغني... فبنت في هذا المكان مزارا له.. المهم أنه في يوم من الأيام كان يطل من الشباك , فإذا به يري إمرأة سمراء ...جميلة، حوراء، تفتن القلوب وتسحر العقول... (حلوة وسمحة شديد). فجعلت صديقنا يحلم ويحلم، فألهمته فقال في سمراء الضريح شعرا جميلا..
    عند الضريح رأيتها
    عند الضريح
    سمراء تخطر بالجميل وبالمليح
    هيفاء لو إفترت البسمات عن أسنانها
    لعرفت ما معني المحبة والمسيح
    ويدان ناعمتان لو مستهما أيدي الجريح
    شفي الجريح
    وتحسست أثوابها
    بل مكمن النهدين
    خوفا أن تبوح
    قالت: أيا ابن المرغني
    في سرها
    يا ساكن الثغر الوضوح
    أنا جئت أحمل مطلبا
    من دونه لن أستريح
    وسمعتها تهمس به
    إبن الحلال ومقلق الأحلام
    ذاك المستميح
    ونذرت لو كنت الذي
    همست به
    لذبحت شاة بالضريح

    والله شعرائنا دول لمن بتسألهم عن بعض أشعارهم بقولك عديل والله ده كان قبل الزواج....بعد الزواج بينتقل للأنواع الأخري من الشعر !
    أتذكر اليوم الذي كنت مسافر فيه لأول مرة الى السودان... كانت أمي شديدة القلق وغير متحمسة بالمرة لهذا البلد- علي حسب ما شاهدت في التلفاز- في ذهنها تلك الصورة النمطية التي يصورها الغرب عن هذا البلد... المهم لم يهنأ لها بال  حتي وصلت وأرسلت لها صوري وأنا في شقتي في شارع الستين... وبعثت لها كذلك صور البنايات والطرق والمحلات التجارية في العاصمة الخرطوم.
    لا أخفيكم سرا أنا كذلك كان في نفسي شئ من حتي كما يقال .... كنت متخوفا بعض الشئ رغم أنني بحثت كثيرا في النت عن هذا البلد وأهله... لكن كل هذا لم يشفي غليلي ، حتي وطأت رجلي هذا البلد ، صحيح يقولون ليس من رأي كمن سمع... بعدها عرفت طيبة أهل هذا البلد وكرمهم وحسن ضيافتهم.
    يتكلمون عن الأمن" ياخ ده سفير أمريكا بالسودان ، بيتدرب ويعمل رياضة في شارع النيل بدون حرس... في بلدو اوبيخف أكتر عن أمنو وعن سلامتو.."  والحق يقال إنتابني  أنا كذلك نوع من الصدمة لما كنت أري أن السائق يترك السيارة مفتوحة ويذهب ليتبضع...وإن النساء يمشين بزينتهن بأساور وخواتم من ذهب ولايخفن من السرقة .... والبيوت مفتوحة. والنساء يمشين ولا يخفن من المعتدين ولا من المتحرشين... التحرش علي النساء والإعتداء "لا يوجد في قاموس السودانيين ,بالفعل إنه" بلد الطيبون والطيبات".
    لما وصلت إستقبلني أصدقائي المغاربة مرحبين ، وبعد السلام .... أضحكوني بلباسهم الأبيض القصير ذو الثوب المثقوب..." الإثنين لابسين الأبيض زي لامايت ليهم الراجل " إفتكرتهم هاربين من مستشفي المجانين ...... ضحكتي المدوية إستفزت أصدقائي، قال لي أحدهم" إنت بتضحك علينا"... لن يهنأ لي بال حتي تلبس مثلنا ... فأمر السائق أن يذهب معي اليوم الموالي إلي شارع الرياض لأشتري نفس هذا اللباس "العراقي... هو لباس تقليدي قريب من القميص المغربي لكن خفيف جدا ومثقب وذو خامة باردة يقي من لهيب الشمس"... وأنا أكتب هذه السطور أستحضر الموسيقار الراحل محمد وردي لما صدح معددا ميزات اللباس السوداني "....البلدي" يا بلدي يا حبوب.. جلابة وثوب...سروال ومركوب...جبة وصدري.. بالفعل ذهبت في اليوم الموالي أبحث عم هذا اللباس " إش يقدر يعمل الميت قدام غسالو...." دخلت إلي متجر معروف في الرياض... بعد السلام قلت لصاحب المحل " الله يخليك أعطيني لباس العراقي...." قال لي والله العراقي كلو خلص هيجينا بكرة ولا بعد بكرة
    بعدها بقليل أتي بلباس آخر شبيه بالعراقي، وقال لي هذا لباس جميل وسهل الإستعمال... ممكن تلبسو من الجهتين من الأمام والخلف.... نظرت إليه وبمزاحي المراكشي المعتاد، قلت له الحمد لله يا سيدي ، الحمدلله أن سيدنا يوسف ما كان لابس اللباس دا... ما كان هيكون لا قد من قبل ولا قد من دبر... فضحك التاجر وسألني عن بلدي، فلما أجبته أنني مغربي......قال لي والله ثم والله أنا بديك اللباس ده ببلاش. شكرته علي حسن ظنه وتعامله معي وإنصرفت فرحا بلباسي الجديد.



    وأنا أتجول مساء اليوم مشيا علي الأقدام، قطعت شارع أديبنا الكبير الطيب صالح ، المحادي لشارع الستين ... فجاءني نوع من الحنين إلي الكتابة  وقلت سأكتب عن هذا الرجل رغم أنني كنت متعبا قليلا فنسيت مرضي وشفيت من النزلة التي كانت تلم بي. أجل قررت أن أتحدث لكم عن الطيبون- شفتهم جاهم شوية حسد" قلت ما نزعجهم أكتر....". سأجازف وأبدأ بالطيب صالح... إنه بالتأكيد يحمل إسمه وإسم أبيه . فعلا إنه طيب وصالح لنفسه ولأهله سأجازف لأنني لن أستطيع أن أعطي هذا الرجل حقه في التعريف ، سيقولون لك إقطع النيل سباحة حتى بلد الكنانة وستقبل بدل أن تعرف وتكتب عن هذا الكاتب  العملاق وعن إنجازاته.
    إنه من الصعب بما كان أن تكتب عن رجل متنوع المصادر ، متعدد الأبعاد والمشارب... المهم فليعذروني محبوا هذا الكاتب الفذ
    قبل الحديث عنه ،  اود ان افيدكم، اننى تعرفت على كتابات الطيب صالح مؤخرا، و ذالك بفضل الصديقة العزيزة تقوى سعيد ...هي اول من اهدتني كتاب مختارات الطيب صالح. وبعدها جاءت الصديقة الصدوقة منيرة مسبل واهدتني الأعمال الكاملة للطيب صالح وهي تجمع كل رواياته وقصصه.
    إنه منذ أن كتب عنه رجاء النقاش، والكتابة لم تمل ولم تيأس هذا الرجل العظيم. يعد الطيب صالح من بين الأدباء القلائل الذين بصموا اسمهم بمداد من ذهب خلال القرن العشرين. لقد ترجمت أعماله إلى أكثر من 100 لغة . لقد بدأ بكتابة القصص القصيرة وكانت أول محاولاته هي المجموعة القصصية (دومة ود حامد) سنة 1953.

     ثم كتب بعدها روايته الأولى (عرس الزين) سنة 1964. وفي سنة 1966 كتب روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) ، التى عدت من بين احسن  100 عمل روائي عالمي منذ أن عرف الناس الرواية. وتلتها أعمال روائيه وقصصية كثيرة.
    كان هذا الرجل مسكونا بالقراءة ولا يعطي اهتماما  للكتابة . لقد قال بنفسه ( لست ملزما بالكتابة إلى حد كبير...ولا احب الكتابة حقيقة ، ولم اعرف اننى سأكون كاتبا ولكنى أصبحت كاتبا، ولو كنت اعرف لرتبت حياتي بشكل أفضل).
    كان الطيب صالح يعمل في اليونيسكو ، كان كذالك هذا العمل يحثم عليه عدم الكتابة . نشيد أيضا إلى انه كتب العديد من المقالات وجمعها وصنفها في كتب مختارات الطيب صالح، وهي تعد كما قال : أرقى وأكثر عمقا من أن تصنف كمقالات صحفية، وإنما تتضمن رؤيتي لأعمال وقضايا فنية
    لقد استطاع الطيب صالح أن يستولي على قلوب الناس وعقولهم بفنيته الأدبية العالية ، و تمكنه من اللغة ونبشه المستديم في الثرات وتسامحه وعفويته المعتادة . وكذا بساطته، وانصافه وصدقه. وقبل كل هذا وذاك انسانيته الامحدودة 
    ان الطيب صالح، يعد من خيرة ماانجبت المرأة السودانية ، فهو صاحب رسالة سودانية، كما يقولون عنه ، كان يحمل هم التعريف بوطنه حتى عرف وطنه به. وهو كذالك صاحب رسالة افريقية وعربية ، كان دائم النبش في الثرات الأفريقي والعربي .و استطاع الطيب صالح أيضا ان ينقل أفكاره ورسالته للعالمية ويسموا بها لأبعد مدى. بالفعل انه كما قال عنه السيد إبراهيم القرشي : انك لما تقرأ للطيب صالح تحس انه عروبي حتى النخاع، تم تقرأ له فيبدو لك قادما من ادغال الكنغو ، ثم تقرأ له فتحس أن كتاباته وعاء الإنسانية الجامع
    هذا هو الطيب ابن بلاد "الطيبون والطيبات"








    البارحة وانا ذاهب إلى العمل، قلت لمحمد ولد الجاك-سائقنا البارع ،ما أن تمعن النظر إلى وجهه حتى ترى انه مشرق ينطلق باللطف والطيبة. فهو من الوجوه التي اودعتها الطبيعة الجلال والهيبة. محمد رجل ذو بسمة دائمة وشخصية مرحة....السفر معه متعة والحديث معه  لا يمل  - اسمعنا من فضلك، موسيقى سودانية
    فأجابني،  والله عندي اغاني الحقيبة ....اجل اسمعني اياها
    لا ادري كيف افلت من ذاكرتي المتعبة صوت خافت يذكرني بالإعلامي المشهور المرحوم أحمد عثمان ....و حقيبته التي كان يجمع فيها اسطوانات الأغاني التي يقدمها عبر إذاعة "هنا امدرمان".
    يجتمع الكثير من المهتمين بالغناء السوداني ،على أن هذا هو الأصل في كلمة حقيبة الفن، وليس تماما كما هو مغلوط، بأنها ترجع إلى حقبة من الزمن...وهذا بعيد كل البعد عن مصدرها الحقيقي
    تذكرت كذالك رجالات بصموا وخلدوا هذا اللون الثراتى  الغنائي الراقي. أذكر من رواد الكلمة لاالحصر : عتيق. العمرابي. العبادي. ابو صلاح. عبد الرحمان الريح. عبيد عبد الرحمان .....  ومن رواد النغم: كرومة اولاد توتي. سرور. خليل فرح. التوم عبد الجليل. عمر البنا. عوض شمبات
    راقني سماع هذه الموسيقى الجميلة ، وبقيت مبهورا مسحورا باللحن والكلمة الراقية حتى وصلت مقر عملي










    (
    الكشاف محمد عبد السلام السوداني)
    أحببت ان اتكلم عن هذا الرجل ، انني أرى فيه نفسي...لااخفيكم سرا ، انا كذالك احب المشي إلى حد القداسة....إنه وردي اليومي، كأنني اصلي ماشيا ، أجل احب المشي ،رغم أنني في بعض الأحيان أعذب كل من أراد التجوال معي....أذكر أن زوجتي الغالية ، كانت تكابر ولازالت...كلما أردنا السفر أو التجوال .احب ان امشي مسافات طويلة ... غالبا ليلا، اتذكر صديقي العزيز عبد الواحد ابريز، كان يقول لي مازحا ، كان عليك ان تمشي مع الطريق التي يمر بها ألزا (حافلة النقل في مراكش تابعة لشركة النقل الحضري) ، المشي يوقد عندي ذاك الأنا الكسلان.....كما يجعلني دائما بصحة وعافية ونشاط دائم. إنه الموعد الذي أكون فيه مع نفسي ، وابتعد عن الجميع (لأعيش مع الجميع).
    محمد عبد السلام، من أبناء الخرطوم. كان يحب التجوال و كان مولوعا بالمشي في السهول والهضاب والتلال منذ 1949. لقد كان يعشق الترحال وكان موقنا ان سبيل الأقدام هو السبيل لمعرفة العالم و كذا لإكتشاف أسراره وخباياه .( كأنه يقول انا افكر واتعلم برجلي)
    بدأ رحلته من القاهرة، تجول في كل ربوع أرض الكنانة، حب المشي جعله يكمل سيره إلى طرابلس، فزار معظم المدن الواقعة على ساحل شمال أفريقيا. ....البحر لم يوقف تجواله، فأراد أن يعرف ماوراء فاس (كان السودانيون ولازالوا يحبون فاس،  وكانوا يقولون فاس اللي ماوراها ناس .....كان العالم يجهل ماوراء المحيط الأطلسي وكانوا يظنون أن فاس اي المغرب هي آخر الأراضي .....هذا قبل اكتشاف امريكا) ، فركب البحر إلى مرسيليا، ليواصل سيره وتجواله ولتعانق مجددا قدماه  سطح اليابسة، ليواصل السير في كل قرى ومدن فرنسا حتى وصل إلى عاصمة الأنوار-باريس . بعدها ذهب إلى لندن، وبعد أن اضناه التعب،رجع بالباخرة إلى الاسكندرية . لكن حب المشي راوده مرات عديدة ...فاشتهر ب"محمد المشاء" ومنح ميداليات واوسمة فخرية من رئيس وزراء فرنسا ، والملك حسين ، وغيرهم من رؤساء وملوك الدول التي زارها.










    يتحلى السودانيون بالطيبة والأمانة والكرم والشهامة .كما يتحلون أيضا بعزة النفس والشموخ والكبرياء ....أردت أن اتكلم  خصيصاعن هاته الصفات الأخيرة التى يحبدها ويتحلون بها السودانيون ، ان جلهم لا يعير أدنى اهتمام للماديات أو اي شيء من هذا القبيل ، بقدر ما يحبون صون كرامتهم وكبريائهم ....وساترك  المجال لهاته القصة الحقيقية كي تعزز كلامي... قصة مستر كلارك وايامه التي قضاها في الخرطوم منقول عن عمر حسن غلام الله
    خرج من مكتبه بالمديرية بشارع النيل بالخرطوم، بصحبة المترجم السوداني الذي خُصص له، الى الشارع ليتفرج على الخرطوم لأول مرة في حياته؛ إذ كان قد وصل الليلة الفائتة من صيف ذلك العام من مستعمرة الهند- درة التاج البريطاني- منقولاً الى مستعمرة السودان، وفي ذاك الصباح – وقبل استلام مهام عمله- رأى أن يستكشف هذه البقعة من العالم، وكان أول ما لفت نظره في سكان تلك البقعة من هؤلاء البشر ذوي السحنة السوداء، قوامهم الفارع وأجسادهم القوية وعضلاتهم المفتولة، وقفز الى ذاكرته منظر أجسادٍ ضئيلة وقاماتٍ قصيرة من شعب تلك المستعمرة التي جاء منها وكيف أن تلك الأجساد كانت تنوء بجسمه السمين، وقال في نفسه أن هؤلاء السودانيين هم أقدر على حمله والمشي به في مشاويره القصيرة دون أن يترنحوا تحت حمله الثقيل
    قال لمترجمه وهو يشير الى أحد السودانيين المارين من أمامه- وكان شاباً طويل القامة وقوي البنية- أن ينادي هذا الرجل ليركب على كتفيه فيتجول به ليتفرج على الخرطوم – من علٍ- فتبسم المترجم بابتسامة غامضة، إذ كان يتخيل ما سيحدث لهذا الخواجة، ولم يتردد في تنفيذ طلبه أملاً في أن يتعلم الدرس الأول من هذا الشاب، ثم نادى على الشاب
    -
    يا زول تعال
    فجاء الشاب نحوهما
    -
    حبابكم
    فقال المترجم
    -
    الخواجه ده قال عايز يركب فوق ضهرك وتمشي بيهو يتفسح في شوارع الخرطوم
    ويبدو أن الشاب عقدت الدهشة لسانه
    -
    قلت شنو؟
    -
    قلت ليك الخواجه ده عايز يركب فوق ضهرك زي الحمار، أصلو متعود على كده في الهند‍‍
    رد المترجم وهو يترقب رد الفعل من الزول، وكان رد الفعل سريعاً وحاسماً أكثر مما تصور المترجم، فقال للمترجم
    -
    قول للخواجة ده نحن هنا عندنا الكبير بيركب فوق ضهر الصغير
    ولم ينتظر من المترجم ترجمة ما قاله للخواجه، بل أمسك به ودفسه تحته وركب فوق كتفيه وهو يتمتم من الغضب
    -
    يا خواجه يا نجس، الليله أوريك الما شفتو لا في الهند ولا في بلدكم
    وتعاون المترجم مع عدد من المارة لتخليص الخواجه من تحت الرجل الثائر، وأصر مستر كلارك على فتح بلاغ ضد هذا الرجل، وفعلاً تم فتح البلاغ، وفي مكتب المتحري بنقطة الشرطة أدلى كل منهما بأقواله بشهادة المترجم وبعض المارة الذين خلصوه من هذا الرجل، ووضع الرجل في الحبس وحدد موعد لاحق للمحاكمة.
    ووصل الخبر الى حاكم عام السودان الذي أمر بإطلاق سراح الرجل حالاً، وصدر قرار مستعجل بنقل مستر كلارك فوراً من مستعمرة السودان، وأفهمه الحاكم العام بأنه رغم أن السودان مستعمرة بريطانية إلا أنها ليست كبقية المستعمرات البريطانية الأخرى، وأن التعامل مع شعبه يتطلب صنفاً آخر من الموظفين غيره.
    ولم يلملم مستر كلارك أوراقه ولا أن يجمع حاجياته ولا أن يجهز شنطته استعداداً للسفر، لأنه أصلاً لم يفتحها ولم يخرج حاجياته منها، ولم يفتح أوراقه بعد، ولم يطلب منه تسليم لأنه أصلاً لم يتسلم شئ.. وغادر مستعمرة السودان مندهشاً أكثر منه حانقاً




    كل الشعوب معروفة بخصال وصفات تميزها عن الآخرين ، مثلا الإنجليز يتميزون بالبرودة ومن أكثر الشعوب ذهاء في السياسة . والفرنسيون بالذوق الرفيع ، و الألمان يمتازون بالدقة المتناهية .......أما العرب فيمتازون بالكرم وكذالك -مع الاسف- بتضيع الوقت .
    أردت أن اتكلم لكم اليوم عن براعة العرب في هذا المجال ، انهم بارعون في تضيع الوقت والهروب من العمل وإيجاد مليون سبب للتخلص من العمل والمسؤولية ....هناك من يقتل جميع أفراد عائلته ، وهناك من يرمي اللوم على القطار أو الحافلة ....حتى أن شخصا أجاب المعلم قائلا أمي اعطتنى خبزا كبيرا ، ولم انتهي منه بسرعة... فهذا الذي جعلني اتأخر عن الفصل. وفي هذا الإطار سوف احدثكم عن قصة حقيقية ....وقعت للمرحوم النميري ، وهو يتفقد إحدى الوزارات .
    يحكى أن النميري ، مشى مرة ، في زيارة مفاجأة لإحدى الوزارات، ووقف أمام الباب ليعرف من الموظف الذي يتأخر عن عمله...".أي واحد بيجي متأخر ، بيسألوا عن سبب تأخره وبعدين بيخصم منوا اسبوع " . كما قلنا الأسباب عديدة والتأخر عن العمل واحد .....هناك من يقول له اخدتنى نومة ،مشى علي الباص......
    المهم الكل خصموا منو اسبوع .....مع الساعة العاشرة ،جاء رجل متأخرا بساعتين ، فقال له النميري : مالك جيت متأخر ؟ فأجابه :ياريس مات جارنا ، ومادفنوه حتى الصباح.، ودي رجعتي من المقابر...لهذا أتيت متأخرا. فقال له النميري : جارك توفى ، و تتأخر عن أغراض ومصالح الناس لمدة ساعتين ؟!
    فأجابه الرجل قائلا : انت وقت عبد الناصر مات ، مامشيت اسبوع كامل في زول كلمك!!!!!
    فضحك النميري .....وقاليهو "الله يقطع يومك خلاص خش".
    إلى الأعلى