728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أنين وسط الظلام!!!! ~ بقلم: عبد الوهاب اوذاير ~


    الجو بارد والظلام كثيف والرياح تهب قوية من جهة الشرق على القرية الصغيرة المترامية بين قمم الجبال، يخرج "العجوز ف" من بيته الطيني المتهالك وهو يحمل فوق متنه زوجته العجوز التي تئن من الألم وتصرخ صراخا حادا يشبه العويل، يركِبُها فوق حماره الأشهب العجوز والذي أنهكته كثرة الأثقال التي كانت تُحملُ عليه منذ أن كان صاحبه ما زال قادرا على العمل قبل أن يقعده الكبر... 

    يتقدم الحمار مخترقا خيوط الظلام المتشابكة مع حركات الرياح الشرقية وخلفه "العجوز ف" الذي يمسك بزوجته حتى لا تقع من على متنه..  
    تزداد الرياح قوة مطلقة أزيزا حادا تجعل الحمار يميل يمنة ويسرة وعلى أهبة الكبو، والعجوز يقاوم السقوط وهو يدمدم ببعض الكلمات وكأنه يدعو الرب أن يعينه على مصيبته.. 
    يزداد أنين الزوجة ويتعالى صراخها، وتقترب العاصفة رويدا رويدا ويصاب الحمار بالتعب والإعياء ويقول العجوز موجها كلامه لزوجته: اصبري يا عزيزتي سنصل المستشفى بعد حوالي ساعتين من الآن، سيستقبلنا سعادة "الدكتور ع" بوجه بشوش ويحقنك بحقنة مسكنة فيختفي الآلام على الفور ويشرع في فحصك، ويعطيك دواء يشفي علتك، وتعودين سليمة معافاة.. 
    يلكز الحمار في دبره ليسرع قليلا..يتباطأ الحمار..
    يكمل الحديث مع زوجته قائلا: لقد أحضرت معي نقودا أسلمها للدكتور حتى يهتم بأمرك..
    يتوقف أنين العجوز، لكن قوة الرياح تزداد ومع ازديادها تتثاقل خطوات الحمار ويصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط.. 
    يستأنف العجوز كلامه قائلا بصوت متخشع ومتذرع: رحمتك يا الله، ارحمنا وارحم ضعفنا... 
    يتعثر الحمار في خطاه فيسقط في خندق صغير، وتسقط الزوجة من فوقه دون أن يصدر عنهما أي صوت، فصوت الرياح كان أقوى من صوت وقوعهما! 
    يحاول العجوز إنهاض الحمار لكن بدون طائل... 
    يتركه هناك يواجه مصيره لوحده، ويحمل زوجته فوق ظهره كأم تحمل طفلها ويواصل المشي في الظلام...الدامس وهو يقول:
    لا تقلقي يا زوجتي الحبيبة، لم تبق أمامنا سوى بضع دقائق ونصل المستشفى وتسري في جسدك الحرارة وتحسين بالدفء....أتسمعين، لم تبق سوى بضع دقائق.. 
    بدأ العجوز يزحر ويحشرج مع كل خطوة يخطوها وضربات قلبه تزداد والعاصفة همدت قليلا، وعاصفة أخرى تجتاح كيانه الآن، إن قواه تخر والجسد الذي فوق كتفه صار أكثر ثقلا..

    بدأ يسعل سعالا حادا، يكاد يختنق، آه ليس الآن، رحمتك يا الله، يقول وهو يهوي على الأرض... 

    لقد عاوده مرض السل..
    جلس وسط الطريق واضعا جسد زوجته وضعية النائم، أمسك يدها، كانت باردة كقطعة من الحديد، جس نبض قلبها بيده، كان القلب قد توقف ولا وجود لأي نبض!!!
    أحس بقشعريرة باردة تسري في جسده، وشرع يسعل سعالا متواصلا..وتقيأ... لا بد أن يكون قد تقيأ دماً... 
    وغاب عن الوجود كما غاب الحمار من قبل، وزوجته من بعد!!!
    التالي
    هذه اخر تدوينه
    رسالة أقدم
    إلى الأعلى