728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    عشق ليس لي ~ سعيد السباك ~


    في لحظات لهفة مملوءة بكل أنواع الجنون، تشق الحاضر نصفين غير متساويين، نصف كبير جدا فارغ ليس فيه ما يعيق جريان ريح الوحدة و صدي هتافات الفرح، ونصف آخر صغير مزدحم تجتمع فيه كل تعابير الحب و الجنون، طالت نظراتي و أنا أحاول عبثا أن أراود الورقة عن نفسها المرة تلو الأخرى علني أجد فيها متسعا لكلمات حبي و أشواقي  التي لم تعد لي منذ زمن لعلى أصبحت شيخا فعادت التعابير كلعبة أطفال لا تستعمل لكنها لا ترمى أبدا. في وقت لا أدري متى ابتدأ، وجدتني في صراع مع الدقائق التي لا تكاد تمضي أبدا، أكتب كلمة أو حتى جملة ثم أمسحها وأكتب تعبير جديد هو الآخر مهدد بالإعدام من على منصة الكتابة. كطفل يتعلم الكتابة لأول مرة، أو ساحرة تجرب التعويذة تلوى الأخرى  تحاول أن تجد ذلك المارد الذي يغير العالم، أحاول أن أتذكر دون جدوى تلك اللحظات التي يباع فيها الورد على شوارع القصائد، فأشترى منها ما يكفيني لأيام و أكثر، أكتب الباعة حروفا جميلة فأجدها قد بدت باهتتا مباشرة بعد خروجها من القلم لتعاودني ندامتي فأعيد مسحها و أحفظها مرة أخرى في ذاكرة الأشواق حيث الخزانة الذهبية، خزانتي التي أحفظ فيها كل الأشياء الجميلة، أجمع فيها كل الابتسامات التي تلدها اللحظات الوردية، أضعها بترتيب فصول السنة، وأعلقها كأزهار الياسمين على الأبواب و النوافذ.
    تلك النوافذ التي لا يدخلها الضوء إطلاقا،لا تصلح لأي شيء عدى تهريب الذكريات الجميلة المثقلة بهموم الحلم بين الفينة و الأخرى لتستريح قليل في حديقة الوهم. على الرغم من ذلك كله مازلت أبحث عن موضوع الكتابة، حيث تزدحم كل الأشياء الجميلة في فوهة القلم كلها تريد أن تهرب مني وأنا الذي صنعتها و حبكت تفاصيلها بخيوط متينة من الانتظار الطويل و الممل أيضا. أحتار في أمرها أيها أولا وأيها سيكون التالي ثم أي ترتيب عادل سيريح ضميري و لا يسمعني أنين حين أنوي النوم في الليلة المقبلة،وأي موضوع سأختار و أنا الذي ألف الفوضى الشديدة في فعل الكتابة ألفت أن أكتب بدون موضوع محدد أكتب في كل المواضيع في الآن ذاته وأخط أينما سمحت لي اللحظات بقلم. سأكون مسامحا على غير عادتي، وأفرج عن كل حبة شوق ضجرت مني و اشتاقت إلى أن تكتب على بياض ظنا منها أن كل بياض جميل و هي لا تدري أنها لم تنسج أبدا لأنثى ذات بشرة سمراء قليلا، أو هكذا تبدوا لي على الأقل . بعد أن أحدد الزمان و المكان المناسبين سأريح ذاكرتي من كل اللحظات المنقوشة فيها، بقدر ما اتسعت كل الأوراق التي أحملها ولم يملني هذه المرة كوب القهوة الذي أصبح يعشقني كثيرا.
    ما ينقصني فقط الآن هو موضوع موحد و ورقة مستعدة لتحمل كل ما أتعب فكري من جمل و فقرات. لا أدري كيف ستكون،قد تكون طويلة كليالي الشتاء الباردة بدون كوب القهوة، أو صدر حنون يتحمل الأرق الذي يعترني أحيانا، وقد تكون قصيرة كنكتة مبتذلة أو لحظة عشق غامر في شارع عمومي، قد تضم كل الحروف الهجائية بمختلف ترتيباتها تتزين كفتاة في ليلة زواجها، وقد يبخل عليها قاموس اللغة إلا من بضعة أحرف لا تشفي غليلها و يترك فيها كل المساحة فارغة دون مؤنس.
    وضعت شرط لذلك في البداية لكنني نسيت أن الإنسان لا يهدي شيء لا يملكه اعتذرت كثيرا فلا أملك    أن أهدي الورقة أشواق و أشياء جميلة لم تكن لي أبدا.   

    إلى الأعلى