جلست تنتظر موعد ظهور
النتائج بترقب وقلق كعادتها. هي تعلم أن اسمها مدرج في لائحة الناجحين ككل سنة،
ولكن ذلك لم يغنها عن القلق والتفكير المتواصل لأيام في النتيجة التي حصلت عليها،
وهذا أمر ليس بالغريب بالنسبة لشخصية قلقة تسعى لكي يكون كل شىء مثالي مثلها. كانت
دائما تعطي الأمور أكثر من حجمها ولا ترتاح إلا عندما يبدو كل شيء على ما يرام.
كثيرا ما كانت تسهر الليالي في حل واجباتها المدرسية ولا تذهب للنوم إلا وقد
أنهتها جميعها. وأحيانا كان القلق يرافقها إلى الفراش لتجد نفسها تردد ما حفظته
بصوت خافت وهي تضع رأسها فوق المخدة أملة أن يخطفها النوم من خوفها ويسدل ستار يوم
أخر من أيامها العسيرة
لم تقلق يومًا من الرسوب ولكن خوفها كان من ألا
تكون من بين الناجحين الأوائل. كانت تحب الدراسة لأنها الشيء الوحيد الذي كان
يعطيها الإحساس.
كانت تحب الإطراء من أساتذتها وتسعى إليه
جاهدةً. كان الفصل المكان الوحيد الذي تشعر فيه بأن لها قيمة وبأن جهدها وحسن
أدائها يُثمن ويُقدر. هي اليوم وهي تنتظر الإعلان عن النتائج تتذكر يوم قبل المعلم
رأسها وهو يثني على ذكائها أمام أقرانها. رغم أن ذلك قد مضى عليه زمن ليس بالقصير
إلا أنها مازالت تتذكر النشوة التي اعترتها، مازالت تتذكر ما قاله المعلم
بالتفصيل، مازالت تتذكر الذهول الذي خيم على باقي التلاميذ، وخاصة زميلتها ابنة
معلم أخر كان يدّرس بنفس المدرسة. كان لذيذًا جدًا طعم الانتصار الذي كانت تحس به
كلما تذكرت غيرة ابنة المعلم المدللة تلك والتي حاولت التقليل من شأن تفوقها عليها
عندما أخبرت المعلم أنها كانت تعرف الجواب وبأن السرعة خانتها تلك المرة. كانت
كلما أزعجتها تلك الفتاة عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم ووقفت بها عند تلك اللحظة
التي نظرت فيها إلى وجه الفتاة وشرارة الغيرة تتطاير منه.
لم يكن استدعائها لذلك الموقف اليوم بسبب تصرفات زميلتها
الحقيرة، بل كان ذلك محاولة منها طرد القلق الذي اكتسحها وبث الثقة في نفسها، خاصة
بعدما أخبرتها صديقتها أن النتائج باتت جاهزة وبأن الإعلان عنها أصبح وشيكا.
ـــ ترى هل اجتهدت بما يكفي هذه الدورة للحصول على معدل عالٍ؟
تساءلت في حيرة وهي تفكر في ردة فعل أبيها عندما سمعها وهي تزف خبر نجاحها لأخيها العام الماضي
ـــ ترى هل اجتهدت بما يكفي هذه الدورة للحصول على معدل عالٍ؟
تساءلت في حيرة وهي تفكر في ردة فعل أبيها عندما سمعها وهي تزف خبر نجاحها لأخيها العام الماضي
خيم الحزن عليها وازداد قلقها عندما تذكرت إطراقة والدها
ولامبالاته وهو يسمع بالخبر. أحست بالأسى يعتصر قلبها وهي تتذكر الفرحة التي اكتست
وجهه يوم نجح أخوها بمعدل متوسط. تذكرت نظرات الفخر والاعتزاز التي رمقه بها، وتذكرت أيضا تنهيدة الارتياح التي أطلقها
خيم الليل وأطفئت الأنوار وعم الهدوء، ولكن الضجيج الذي
يعج داخل رأسها الصغير كان يعلو ويعلو كلما مر الوقت ودقت عقارب الساعة، معلنةً اقتراب قدوم الصباح
ـــ علامات امتحانات العربية كانت كلها جيدة، والفرنسية أيضا
همهمت في حيرة، محاولة جاهدة طرد القلق عنها وإقناعه بأنه لا جدوى منه. أغلقت عينيها ووضعت يديها على صدرها وحدقت في السقف من فوقها وأخذت شفتاها المضطربتين تتمتم بالأدعية التي حفظتها. تسارعت دقات قلبها وهي تحاول جاهدةً أن تخشع ما أمكن في دعائها. واستمرت في الدعاء والتذلل إلى الله حتى تعبت واستسلمت للنوم أخيرًا.
ـــ علامات امتحانات العربية كانت كلها جيدة، والفرنسية أيضا
همهمت في حيرة، محاولة جاهدة طرد القلق عنها وإقناعه بأنه لا جدوى منه. أغلقت عينيها ووضعت يديها على صدرها وحدقت في السقف من فوقها وأخذت شفتاها المضطربتين تتمتم بالأدعية التي حفظتها. تسارعت دقات قلبها وهي تحاول جاهدةً أن تخشع ما أمكن في دعائها. واستمرت في الدعاء والتذلل إلى الله حتى تعبت واستسلمت للنوم أخيرًا.
كانت إشراقة الشمس صافية، تماما كصفاء سيل بعد عاصفة
مطرية غزيرة. ألوان الزهور والورود بدت زاهية، و أجمل بكثير مما عهدتها. نظرت إلى
السماء وابتسمت ابتسامة شكر وامتنان. أسرعت من وتيرة خطواتها القصيرة وكأنها تريد
أن تطير لتصل إلى البيت بسرعة. أوقفتها إحدى بنات حيها وسألتها،
ــــ ها نجحتِ؟
ــــ أجل، الحمد لله. ردت علا سؤالها بأنفاس متقطعة وابتسامة عريضة
ــــ وكم المعدل الذي تحصلت عليه؟
ــــ تسعة من عشرة
أكملت الجملة بسرعة وأطلقت ساقيها تسابقان الريح
سمعت أمها تردد بصوت مرتفع وهي تتقدم نحو الباب
ـــ أنا أتية، أنا أتية...انتظري
فتح الباب وارتمت في حضن أمها وهي تصرخ
ـــ لقد نجحت
أقبل والدها مهللاً
ــــ مبارك يا ابنتي...كم أنا فخور بك
كانت السعادة تغمرها ويد أبيها تربت بحنوٍ وفخرٍ على كتفها. و فجأة أخذت اليد تهزها بقوة؛ أزعجها الصوت الذي كان يناديها مرة تلو الأخر بدون توقف؛ فتحت عينيها وإذا بأمها واقفة أمامها.
ـــ انهضي..إنها السابعة والنصف
نثرت الغطاء عن جسمها وأسرعت إلى الحمام لتغسل وجهها
لم تستطع أن تكمل فطورها، اكتفت فقط بكوب الشاي وانطلقت
ــــ ها نجحتِ؟
ــــ أجل، الحمد لله. ردت علا سؤالها بأنفاس متقطعة وابتسامة عريضة
ــــ وكم المعدل الذي تحصلت عليه؟
ــــ تسعة من عشرة
أكملت الجملة بسرعة وأطلقت ساقيها تسابقان الريح
سمعت أمها تردد بصوت مرتفع وهي تتقدم نحو الباب
ـــ أنا أتية، أنا أتية...انتظري
فتح الباب وارتمت في حضن أمها وهي تصرخ
ـــ لقد نجحت
أقبل والدها مهللاً
ــــ مبارك يا ابنتي...كم أنا فخور بك
كانت السعادة تغمرها ويد أبيها تربت بحنوٍ وفخرٍ على كتفها. و فجأة أخذت اليد تهزها بقوة؛ أزعجها الصوت الذي كان يناديها مرة تلو الأخر بدون توقف؛ فتحت عينيها وإذا بأمها واقفة أمامها.
ـــ انهضي..إنها السابعة والنصف
نثرت الغطاء عن جسمها وأسرعت إلى الحمام لتغسل وجهها
لم تستطع أن تكمل فطورها، اكتفت فقط بكوب الشاي وانطلقت
دقات قلبها المتسارعة كادت تصم أذنها وهي تنتظر أن ينادي
المعلم باسمها للتقدم إلى استلام النتيجة. ضجيج الفصل الشبيه بطنين الذباب أزعجها
وزاد من حدة قلقها وتوترها. لم تكثرث كثير لدموع الراسبين في تلك اللحظة لأن
تركيزها كان منصبًا على منافسيها في الفصل. كلما كان أحد منهم يستلم نتيجته كانت
تهرع وتسأله عن مجموعه. وبينما هي تحدق التلصص على ورقة صديقتها التي طوتها ورفضت
إطلاع زميلاتها عليها وإذا بالمعلم ينادي باسمها
ــــ 8، 98 من عشرة...أحسنت
ــــ 8، 98 من عشرة...أحسنت
على مائدة العشاء،جلست في صمت تراقب وجه أبيها خلسة بين
الحين والأخر كمن يحاول البوح بسر. كان الجميع منهمكون بالأكل، يهزون رؤوسهم بين
الحين والأخر صوب التلفاز، وكلما أذاع المديع خبرًا جديدًا علق أحدهم عليه،
لتتعالى الرؤوس فضولاً نحو الشاشة الصغيرة مجددًا. رفعت أمها الصحون بعد انتهاء
الجميع من تناول العشاء، وطلبت منها مساعدتها بنبرة حادة كالعادة، عندما رأتها
منشغلة بما يُبث على التلفاز.
كان رأسها مدفونا في كتاب عندما فاجأها صوت أمها العالي
قائلة:
ـــ ألم تنتهى الدراسة...لقد نجحت، ما لذي تقرئين الان؟!
أطرقت رأسها نحو الكتاب مجددًا، ولم تعلق. ولكنها ما فتئت أن أقفلت الكتاب ورمته من بين يديها في حزن بعدما سمعت والدها وهو يعلق على كلام أمها بسؤاله
ـــ إذن ظهرت النتيجة...كم كان مجموعها؟
ـــ مجموعها جيد هذه السنة...قاربت التسعة من عشرة بفارق نقطتين! أجابت أمها بنبرة محايدة
ـــ ألم تنتهى الدراسة...لقد نجحت، ما لذي تقرئين الان؟!
أطرقت رأسها نحو الكتاب مجددًا، ولم تعلق. ولكنها ما فتئت أن أقفلت الكتاب ورمته من بين يديها في حزن بعدما سمعت والدها وهو يعلق على كلام أمها بسؤاله
ـــ إذن ظهرت النتيجة...كم كان مجموعها؟
ـــ مجموعها جيد هذه السنة...قاربت التسعة من عشرة بفارق نقطتين! أجابت أمها بنبرة محايدة
ـــ فقط! كل هذا الاعتكاف وسهر الليالي ولم تستطع حتى الحصول على تسعة من عشرة
لم تكن الدمعة التي انسابت على خدها بعدما سمعت كفيلة
بأن تطفأ النار التي اشتعلت في قلبها. أومأت في حزن؛ رمت جسدها على السرير؛ أرخت
أطرافها، ونامت كجثة هامدة ـــ
للتواصل مع الكاتبة على الفيسبوك، اضغط هنا : خديجة الفرون

