728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    شاب طائش و عجوز حكيم ~ تأليف : اسويدي سيدي محمد ~


    كنت جالساً تغشاني حالة من الانطراب، أستمع إلى رجل يشذو و يصدح بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم،و كل مرة يقشعر جسدي لجمال صوته و روعة كلماته، فكدت أنسى همي و أخرج من الحيرة التي أنا فيها...

    جلس بجانبي رجل عجوز، شعر رأسه وخطه المشيب، و كل واحدة من تجاعيد وجهه تنم عن تجربة و خبرة و نضج، عيناه ذابلتان،و ابتسامته تنور محياه...

    نظر إلي نظرة مفعمة بالطيبة و الحنان و إبتسم ثم قال بصوت صافي،مستقيم كأنه نغم موسيقي حزين:

    -إني أراك حائراً،حزينا ،فهل أستطيع أن أساعدك؟

    و عندما أردت أن أجيب ،وجدته يربث على كتف طفل صغير و يعطيه قطعة من الحلوى بإبتسامته المعتادة التي لا تفارقه و قال لي :

    -يا بني أنظر إلى هذا الصبي،لا تشغله مشاكل و لا يعكر صفوه تفكير في سمعة و لا شرف، يعيش سعيداً، يلعب و يمرح، لا يعرف النفاق و لا يحسب حسابا لأحد، و لا يقول كلاما رياء ليحافظ  على مستقبله و يحمل كل الأمور محمل البساطة...
    فإسأل الله أن تكون طفلاً كبيراً.

    رنوت إليه بإعجاب و اجلال و إزداد خفقان قلبي ثم قلت و أنا أسأل نفسي عن سر ابتسامته الدائمة :

    -إني في حيرة شديدة، يجب علي أن أختار بين أمرين، فإذا إخترت الذي أحب عارضني أهلي و أصدقائي و لاموني...

    -يابني أنا الآن أبلغ من العمر ثلاثة و تسعين عاما، أي عشت عمرك خمس مرات أو ستة، أرغمت على أشياء لم أكن أحبها و منعت من أمور كنت أحبها، أبي كان صعب المعاملة و الطباع و لا يعرف التفاهم ،لا يرضى إلا إذا نفذ أمره كما يريد و يشاء...

    قاطعته قائلا :
    -و لم تكن تعارض أو تحاول المناقشة؟

    إبتسم و قال :
    - لا لكني بعد أن أصبحت أبا ثم جدا، أدركت أن الذي كان يدفعه هو حبه لي، و عندما تكبر و تنجب ستفهم جيدا ما أقول...

    قلت مندهشا:
    -إذن أكون امعة لا رأي لي.

    وضع يده على رأسي ثم قال و هو  يبتسم :
    -لا، إحرص دائماً أن تفعل ما تحب و لو عارضوك،لكن إستحضر دائما عظيم حقهما عليك و حاول أن لا تغضبهما، و تذكر أن طاعة الوالدين من طاعة الله ...

    ثم أردف قائلاً:
    -أعطني أستمع معك.

    فأعطيته، و هز رأسه ثم قال :
    -الموسيقى شيءٌ جميل يرتقي بالمشاعر و الوجدان.. الموسيقى جمال فتذوق الجمال يا بني...

    و كل مرة يتكلم في موضوع في مجال مختلف، حتى مر بمجالات كثر ،أحببته حبا شديداً و تمنيت أن أكون مثله.

    قال لي : 
    - إذا أردتني فأنا هنا دائما.

    أردت أن أقبله، فقال بابتسامة:
    -إفعل، قبلني. 

    فعلت بإستغراب و سألته:
    -كيف عرفت؟

    قال بعد ضحك حتى سعل :
    - الجسد أيضا يتكلم يا ولدي.

    و قفت مبتسما و مشيت خطوات ثم إلتفت إليه و قلت:
    - عندي سؤال. 

    أجابني قائلاً :
    -تفضل..

    فقلت متسائلا :
    - كيف تظل مبتسما طوال الوقت؟ 

    إبتسم و نظر إلي مليا ثم قال : 
    - إعرف ذاتك الحقيقية و ستظل مبتسما طوال حياتك.

    هززت رأسي و غادرت على أمل اللقاء .

    إلى الأعلى