كنت جالساً تغشاني حالة من الانطراب، أستمع إلى رجل يشذو و يصدح بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم،و كل مرة يقشعر جسدي لجمال صوته و روعة كلماته، فكدت أنسى همي و أخرج من الحيرة التي أنا فيها...
جلس بجانبي رجل عجوز، شعر رأسه وخطه المشيب، و كل واحدة من تجاعيد وجهه تنم عن تجربة و خبرة و نضج، عيناه ذابلتان،و ابتسامته تنور محياه...
نظر إلي نظرة مفعمة بالطيبة و الحنان و إبتسم ثم قال بصوت صافي،مستقيم كأنه نغم موسيقي حزين:
-إني أراك حائراً،حزينا ،فهل أستطيع أن أساعدك؟
و عندما أردت أن أجيب ،وجدته يربث على كتف طفل صغير و يعطيه قطعة من الحلوى بإبتسامته المعتادة التي لا تفارقه و قال لي :
-يا بني أنظر إلى هذا الصبي،لا تشغله مشاكل و لا يعكر صفوه تفكير في سمعة و لا شرف، يعيش سعيداً، يلعب و يمرح، لا يعرف النفاق و لا يحسب حسابا لأحد، و لا يقول كلاما رياء ليحافظ على مستقبله و يحمل كل الأمور محمل البساطة...
فإسأل الله أن تكون طفلاً كبيراً.
رنوت إليه بإعجاب و اجلال و إزداد خفقان قلبي ثم قلت و أنا أسأل نفسي عن سر ابتسامته الدائمة :
-إني في حيرة شديدة، يجب علي أن أختار بين أمرين، فإذا إخترت الذي أحب عارضني أهلي و أصدقائي و لاموني...
-يابني أنا الآن أبلغ من العمر ثلاثة و تسعين عاما، أي عشت عمرك خمس مرات أو ستة، أرغمت على أشياء لم أكن أحبها و منعت من أمور كنت أحبها، أبي كان صعب المعاملة و الطباع و لا يعرف التفاهم ،لا يرضى إلا إذا نفذ أمره كما يريد و يشاء...
قاطعته قائلا :
-و لم تكن تعارض أو تحاول المناقشة؟
إبتسم و قال :
- لا لكني بعد أن أصبحت أبا ثم جدا، أدركت أن الذي كان يدفعه هو حبه لي، و عندما تكبر و تنجب ستفهم جيدا ما أقول...
قلت مندهشا:
-إذن أكون امعة لا رأي لي.
وضع يده على رأسي ثم قال و هو يبتسم :
-لا، إحرص دائماً أن تفعل ما تحب و لو عارضوك،لكن إستحضر دائما عظيم حقهما عليك و حاول أن لا تغضبهما، و تذكر أن طاعة الوالدين من طاعة الله ...
ثم أردف قائلاً:
-أعطني أستمع معك.
فأعطيته، و هز رأسه ثم قال :
-الموسيقى شيءٌ جميل يرتقي بالمشاعر و الوجدان.. الموسيقى جمال فتذوق الجمال يا بني...
و كل مرة يتكلم في موضوع في مجال مختلف، حتى مر بمجالات كثر ،أحببته حبا شديداً و تمنيت أن أكون مثله.
قال لي :
- إذا أردتني فأنا هنا دائما.
أردت أن أقبله، فقال بابتسامة:
-إفعل، قبلني.
فعلت بإستغراب و سألته:
-كيف عرفت؟
قال بعد ضحك حتى سعل :
- الجسد أيضا يتكلم يا ولدي.
و قفت مبتسما و مشيت خطوات ثم إلتفت إليه و قلت:
- عندي سؤال.
أجابني قائلاً :
-تفضل..
فقلت متسائلا :
- كيف تظل مبتسما طوال الوقت؟
إبتسم و نظر إلي مليا ثم قال :
- إعرف ذاتك الحقيقية و ستظل مبتسما طوال حياتك.
هززت رأسي و غادرت على أمل اللقاء .

