728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    الرحيل والوداع ~ رحيم المسعودي ~


    الرحيل هو كتابُ الإنسانِ المَوْقُوتِ المُؤَجَّل-المُعَجّل. المؤطر بين رحيله الأول المُفرح للجميع والمُبكية؛ رحيلهُ من رَحِم أمه. ورحيله الأخير المبكي للجميع والمُشفية؛ رحيله إلى اللَّحد. وبين الرحيلين جُمْلة رحيل وترحال تحمل بين طياتها خاصية الطبيعة الأساس؛ الهدم والبناء. بين نشوة الاستقبال الزائِلة، ولوعة الوداع الزاحٍفة، يترك الإنسان آثاره الزائِفة في القلوب الراجِفة. الرحيل موت ومن الموت كل النفوس خائفة، واستساغة حتمية هذا الأمر شوكة في حلق الإنسانية واقفة.
    . مطلب الخلود من حُكم الطبيعة مجرد شرود. حُكم سار على الهَيِّن والجُلمود، لا يرده بكاء، حنين، رثاء ولا لطم الخدود. للرحيل يوم موعود منشُود، لكننا نُصِرّ على أن نكابر، وبأيامنا نقامر، سير سائرٍ حائر يرقص على المجامر، موهِم موهِن كون طريقه خَابر، ومنتهاه عابِر.
     على ماذا الوداع؟ على وقت ضاع؟ على عمر ضاع؟ على جهد ضاع؟ على حب ضاع؟ على حبيب باع؟ على خبث شاع؟ أم على قلب تَوَالَتْ عليه الطعنات ويأبى السماع؟ بماذا يفيد هذا الوداع؟
    ليس كل لقاء جميل، فما أقبح اللقاء مع الرحيل. لقاء ليس له في الوجود مثيل، بوجدان كليل وقلب عليل كان اللقاء الأول. عندما كان الوجود محيطًا بلغة "هايدجر" مَثلَّتْ لي هي الامتداد، ومن توبيخ الوالدة عليها دائما الاعتماد، وفي لحظات الضيق والصد إليها يكون الارتداد. هي أم لم تنجبني ولا خَلّفَت غيري من الأولاد. حليمة هو اسمها، وصفتها وبقلبي تُثبتُ الأوتاد. هي في البيت عندي العماد. لكن، قيل: عند "لكنّ" تشرئب الأعناق. و"لكن" تجُبُّ ما قبلها. وأقول: لٍيوم من قبلها أنا مشتاق، فقَطْعُ وريدي كان بعدها. وبعدها سأترك الطباق والجناس، لفتح المجال لتعبير الإحساس.
    هل عَليّ الخبر كالصاعقة، كيف لا وحليمة قررت، اختيارًا أو قصرًا، ترك بيتنا والذهاب إلى بيت أبويها. بكَيتُ حد الاختناق، بركانٌ داخلي أطلق العنان لحممه، تمرغت بالأرض وضربت رأسي عرض الحائط لطرد السؤال اللعين: كيف أعيش بعد حليمة؟ التي تعاقبني على ما لم تقترف يداي من جريمة، وبحاستها السادسة، التي تقرأ الأفكار، أوقفت إلحاح السؤال ومرارة التكرار بكذبة بيضاء: "أنا لن أغيب عنك أبدًا، لكوني لا أطيق العيش دونك". احْترَمَتْ وعدها في البدء، لتستحيل زياراتها أسبوعية، فدورية وأخيرًا استحالت رهينة الظرف والمناسبة. ظنَّت شوكة حبها اسْتُلَّت من قلبي دون دم، أو على الأقل دون كثيره. لا مجمجة في الاستلال لكن الأثر تابث بالقلب والذاكرة.

    حليمة "خالتي"، أمي الثانية، طاقت العيش دوني، واستطعت العيش بعدها. عند اللقاء اليوم، عناقٌ فاترٌ، كلامٌ عابرٌ وفي السريرة كثير لومٍ. عن قطع لم يكن بعده وصل، عن جرحِ وداعٍ كان بحياتي أول فَصْل، على قلبي أول ثِقْل، وعن سُم الرحيل في المستقبل خيرُ مصل.


    إلى الأعلى