728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    كلمات قرأتها (الجزء الأول)~ عبد العزيز الزاي~


    يجيء المساء...
    ادخل غرفتي مرهقا كعادتي، انزع ملابسي المبللة بعرقي المخلوطة برائحة الارض.اغسل جسدي...
    البس تيابى البيضاء المختارة بعناية، فأتناول كتابات رجالات كانوا هنا...
    يستقبلونني كعادتهم بترحاب وبابتسامة.
    اتنفس واتغذى بهذه الحاجات؛ التي صنعت من أجلى.
    اتحدث إليهم، لا اهابهم ولا اخاف مناظرتهم.اطرح تساؤلاتي ومخاوفي .... يجيبونني بصدر رحب،بدون بخل ولا خجل وبلا تردد.لا ينزعجون من حديثي...
    لا اخاف بدوري هموم الحياة تانية، لا أخشى الفقر ولا الجوع.لا اخاف الموت ولا متاعب الحياة



















    تزين غرفتي لوحة اعشقها كما تعشقني، تأسرني بحبها كما أاسرها.... الكل فينا آسر والكل مأسور...
    لوحة الفنان رفاييل،المشهورة باسم مدرسة اثينا.استطاع هذا اليافع ذو 27 ربيعا، ان يلخص حياة وفكر عظماء بأكملهم في لوحة.
    كان البابا Jules IIيحب الفن والفنانين،فأمر من العديد منهم بعمل رسومات بقصر ابوستوليك بالفاتيكان،وامر من هذا الايطالي الموهوب بعمل رسومات تؤثث حائط مكتبته الخاصة.
    استطاع رافاييل ان يلخص حياة وافكار عظماء قدموا من كل ارجاء الدنيا -من اليونان،من روما،من بلاد فارس وحتى من الشرق الاوسط-في لوحة بديعة.
    أمعن النظر فيهم،أريد ان أكلمهم كلهم،بل بعضهم.بل سأنفرد كل ليلة بواحد منهم وسأدعوكم معي ضيوفا أعزاء....









    اراهم يتنافسون كعادتهم حتى على دعوتي،الكل يريد شرف الاسبقية... حسنا سأختار واحدا فيكم. وضعوني في مأزق قبل محادثتهم (دابا... كآين معامن!(.
    الإثنين المتجادلين في الوسط افلاطون وارسطو،الرجل الذي يخط علاقاته أضن انه فيتاغورس. وذالك الجالس المكتئب بلا شك هيراكليت. اما ذاك الرجل الغريب المستلقي فهو بالتأكيد ديجوجين.سقراط واقف يسأل كعادته الشباب. اما الرجل الواقف يسارا ويضحك فهو ابيقور. إنني ارى ايضا ابن رشد لابسا جلبابه العربي.
    مغامرتي هذه مع هؤلاءالفطاحل تخيفني كما تستهويني في نفس الان.
    تساؤلات كثيرة في خاطري...
    كيف يمكننا التحكم في مشاعرنا واحاسيسنا؟كيف نتعايش في مجتمعات او بكل بساطة كيف نعيش؟ كيف يمكننا تطوير ذواتنا وكيف يمكننا بالتفكير ان نساعد أنفسنا وان نزيل همومنا؟ هؤلاء كلهم مجتمعون رغم اختلافهم حول نفس التفاؤل بالتفكير البشري وقدرته في تطوير حياتنا ومجتمعاتنا.

















    حيروني هؤلاء الرجال الافاضل...لكن سأبدأ بكبيرهم الذي علمهم (داك بوراس ديالهم)
    بالفعل يعد سقراط احد أهم رجالات عصره،هو اول من أكد ان الفلسفة لابد لها ان تجيب على الاحتياجات اليومية للأفراد -خلافا لمآلها الان في الجامعات والمدارس-.
    كان رجلا متواضعا جدا،ابن نحاث الحجر وابن الداية (القابلة) لم يكن له نسب رفيع في اثينا ولم يكن له شأن كذاك في دواليب الحكم.
    كان قصير القامة،رأسه كرأس عتال (يتقولوا غير عالييم اولا ظالييم)،عيناه جاحظتان.كان متزوجا واب لثلاثة ابناء.
    لم يكتب ابدا سطرا واحدا... افكاره تناقلها تلاميذه واصحابه.
    كان يعمل جاهدا على تلقين ابناء وطنه،ان يتفكروا ويتدبروا ذواتهم.له اقوال شهيرة بذات الصلة مثل "كل ما أعرف اني لا اعرف شيئا"، "اعرف نفسك بنفسك"  "العلم هو الخير والشر هو الجهل"، "لا فضيلة بلا معرفة".


















    بعد هذا التعريف المختصر،سأتناول انا واياكم اطراف الحديث مع هذا الرجل الهمام.
    بعد الشكر على هذه الاستضافة، سيدي لمدا دائما تحث على معرفة النفس اولا قبل معرفة اي شيء اخر؟
    أعزاءي ،العديد من البشر يمرون من هذه الحياة مرور الكرام. دونما اي اهتمام ودون اي تساؤل على من هم وماذا يفعلون ولمذا؟
    يطبقون بدون تفكير قواعد موروثة ومعتقدات واعراف ابائهم دون تفكير ويقبلونها بدون اي سؤال...
    لكن الخطير في الامر،اذا وجدوا انفسهم يطبقون معتقدات سالبة او خاطئة و مدمرة هذا ينعكس عليهم سلبا ويدمرهم تدميرا...
    سمعتك تتحدث يوما عن علاقة فكر الرجل وصحته البدنية والنفسية،نريد ان نعرف كيف يمكن هذا ،خاصة ونحن نعيش في زماننا هذا فترة عصيبة في ابداننا وانفسنا؟
    اي نعم،هناك علاقة جد وطيدة بين تفكير المرء وصحته البدنية والنفسية.احاسيسنا مرتبطة بمعتقداتنا-كما اننا يمكن ان نقول ان بعض الأيديولوجيات السياسية هي امراض لتمتلات نفسية.
    مثلا الشخص الذي يعطي الاهمية القصوى لرأي الاخر ويعيش على اراء الاخرين،يعيش حالة من التوتر النفسي والعصبي.
    لكن اذا غير طريقة نظرته وغير هذا المعتقد الخاطئ يستطيع طبيعيا ان يغير حالته النفسية والبدنية للأحسن.اذ ان غالبا هذه المعتقدات الخاطئة تكون لصيقة الوسط المعاش،وتقبلها دون وضعها تحت التحليل والنقد. بعد ذالك تعد من المسلمات المقدسة التيلا يجب النبش فيها. 
    أؤكد لكم انه من واجبنا جميعا العناية بأنفسنا وارواحنا،وهذا فن تعرفونه الان تحت مسمى فن العلاج النفسي.علينا ان نمتحن أنفسنا ونميز بين المعتقدات السيئة السالبة والمعتقدات الايجابية وبهذا تكون الفلسفة القديمة قد لعبت دور الطب النفسي وساعدت على التطبيب الذاتي.
    أعلم الان ان العديد من الباحثين وعلى رأسهم "ايرون بيك Aeron Beck" و "البير أليس Albert Ellis" مؤسسي البسيكولوجيا الحديثة (Psychologie Cognitive) قد استطاعوا وبفضل فلسفة اثينا القديمة أن يؤسسوا هذا العلم. وأذكر انهم تمكنوا من وضع نموذج ABC حيث اننا نعيش تجربة (A)، نشرحها (B) ونستشعر بجواب حسي له علاقة بفهمنا (C)
    لهذا العديد من الناس يفشلون في تغيير أنفسهم لكونهم يشتغلون ويبدلون جهدا على الاحاسيس B بدل ان يغيروا معتقداتهم الفاسدة A.
    سيدي نكتفي بهذا الان،حديثك مشوق ومفيد.اظن اننا سنحل عليك ضيوفا غذا كذلك.طابت ليلتك!






    عدنا والعود احمد...
    يقولون سيدي ان طريقة TCCاستخلصت من منهجكم،كيف تردون ؟
    أجل هذه الطريقة تعلمنا فن التحاور مع الذات. حيت يقوم المشرف بالتحدث معكم -بعيدا عن الطرق التي ينومونكم و يتحدثون معكم عن طفولتكم واحلامكم الى غير ذالك- بغية معرفة واكتشاف معتقداتنا اللاشعورية وبعد ذالك نتمكن من معرفة كيفية صنعها لأحاسيسنا وافعالنا .
    انهم يعلمونكم ان يكون كل واحد فيكم سقراط القرن الواحد والعشرين.
    ارى انك جد متفائل....
    تريد ان تقول واقعي.لكل شخص القدرة في مساعدة نفسه بنفسه دون اي وسيط(رجل دين ،طبيب نفسي، الى غير ذالك...) الا في الحالات المستعصية طبعا تكون المساعدة ضرورية.اننا ننسى اننا نملك هكذا قدرات ونبحث عنها دائما عند الاخرين.


















    مساء الخير....
    منذ قرون استخفوا بأفكارك التي تقول ان للفلسفة القدرة على تغيير حال البشر،كما انها توصلهم الى السعادة. حتى زميلك الاسكتلندي دافيد هيم David Hume لم يستسغ فكرة ان للفلسفة هذه القدرة العلاجية...
    اسمع في العصر الحديث،العلاجات والحلول تبقى دائما تجزيئية ووظيفية الى حد ما. إنها تهتم بالفردانية دونما اهتمام بجوانب الاخلاق،الثقافة ،السياسة .... 
    ان المفكرين القدامى كانوا يقدمون نقذا ونظرة شاملة دون البحث عن التجزئ . ان غاية الفلسفة القديمة كانت جد طموحة وشاملة مقارنة مع البسيكولوجيا الحديثة. انها تجمع البسيكولوجيا مع الاخلاق والسياسة وتربطهم بالكون.انها لا تعطينا حلولا ترقيعيه وعلى مدى قصير،كما انها ليست مسألة موضا...بل على العكس من دالك تعطينا مشروعا مجتمعيا وحياتيا متكاملا على المدى البعيد. كما تمدنا بالسبل والطرق اليومية التي من شأنها ان تحول حياتنا وحياة المجتمع الى الافضل.انها تتماشى تماما مع كل الاحوال والمواقف الصعبة التي يمر بها الفرد والمجتمع.

















    الحديث معك مشوق.كنت اخافك، لكن تبين لي العكس مع مرور الوقتألا ترى ان التكلم عن الفلسفة كأسلوب حياة استبعد في جامعاتنا ومدارسنا؟
    اجل،همهم الوحيد اجتياز امتحان والحصول على دبلوم.في وقتنا لم تكن الفلسفة كذاك.كما قلت لك البارحة،الفلسفة هي نمط حياة عملي. المريد للفلسفة ملزم بتطبيقها في حركاته وسكناته. فهي لم تكن مقتصرة فقط على جانبها النظري فحسب، بل يتم إعمالها في الحياة اليومية.
    لكن علمت ان هناك اصوات تنادي بالرجوع الى الاصل...
    لقد اعجبني ذالك الفتى الفرنسي Marc Sautet الذي انتقد وبشدة المسار الذي ينحوه اساتذة الفلسفة في الجامعات،وقام بتأسيس اول مقهى-فلسفة(café philo) بمدينة الأنوار.حيث ان للجميع الحق في اختيار ومناقشة المواضيع والخروج بحلول.... وبفضل الأنترنيت اخدت هذه الفكرة طابع العالمية.
    بعدها تم تأسيس العديد من المقاهي والعديد من الجمعيات التي تدعوا الى فلسفة الشارع، نذكر على سبيل المثال لا الحصر
    Philosophy in Pub, the School Of Life
















    فلنعد قليلا الى الشأن السياسي....
    نرى الساسة هذه السنوات الأخيرة يتكلمون عن قدرة الحكومات على جعل الافراد اكثر سعادة،الى أي حد يعد هذا الكلام صحيحا؟
    خلال السنوات الاخيرة،لاحظ بعض المثقفين ،أننا مشينا بعيدا في التعددية والنسبية الاخلاقية وان هذه الفردية النيوليبرالية قسمتنا وابعدتنا عن مفهوم الرفاه.
    هذه فكرة قديمة،كان ارسطو وافلاطون يؤكدون ان الحكومات يمكنها ان تشجع الرفاه الروحي للأفراد. والان نرى ان هذه الفكرة رجعت تانية موضا داخل أروقة الساسة.

    ما الذي جعل هذه الفكرة بهذه القوة محل اهتمام اصدقائنا السياسيين؟
    سؤالك هذا يرجعنا تانية الى Aaron Beck و Albert Ellis، حيث استطاعا ان يؤكدا علميا اننا بوسعنا تدريس الناس كيف يمكنهم تخطي المشاكل الحسية والسلوكية.
    كما ان Martin Seligman, تلميذ Aaron Beck أكد ان البسيكولوجيا لا تقتصر فقط على حل المشاكل النفسية للأفراد بقدرما يجب عليها كذلك ان تساعد على العيش الأفضل وعلى رفاهية الافراد.وسمى هذا الجانب بالبسيكولوجيا الإيجابية.
    هؤلاء كلهم استفادوا من اساليب وتقنيات الفلسفة،وبعد ذالك وضعوها رهن التجربة الميدانية.بفضل هذا الجمع بين الفلسفة والبسيكولوجيا الحديثة استطاع Seligman وأصدقاءه أن يؤسسوا "علم الرفاه" وأدخلوه في العلوم السياسية تحت اسم "سياسة الرفاه".
    انت تعرف ان بريطانيا استثمرت اكثر من نصف مليون جنيه إسترليني قصد تكوين 6000 مؤطر لنشر تقنيات TCC داخل المجتمع البريطاني. كما ادخلوا برامج مدرسية لتدريب الطلاب لتطوير الذكاء الحسي.












    أرى ان العديد من حكومات الدول تقوم بقياس معدل الرفاهية الوطنية...ماالخطب اذن؟
    اجل قامت حكومات دول كثيرة على سبيل المثال:فرنسا،المانيا،بريطانيا،بلجيكا،فلندا،النمسا وحتى التايوان؛من القيام بقياس معدل الرفاهية الوطنية.
    كما ان السيد رئيس المجلس الاوروبي Herman Van Rompuy ,بعت سنة 2011 منشور البسيكولوجيا الايجابية الى 200 قائد عالمي،يدعوهم الى وضع سياسة الرفاهية ضمن اولويات السياسات العمومية.
    الا ترى انكم بعيدون كل البعد عن كل هذه الافكار ،بسبب التهريج الممنهج من بعض سياسييكم و الجهد السلبي الذي يبدلونه في السب والشتم المتبادل بدل التفكير والاجتهاد في إسعاد الافراد!


    برأيك سيدي هل نهج سياسة الرفاهية الوطنية يمكن ان تكون لها مخاوف مثلها مثل كل السياسات العمومية؟
    بالطبع،دائما عدم توظيف السياسة لصالح الفرد يمكن ان يخلق مشكل وازمة حقيقية .
    هناك بعض العلماء والسياسيين الموهومين بإمكانية إعمال تصور موحد على اساس انه الافضل، و يتم تطبيقه على الجميع. وبدالك يمكننا ان ندفن الحوار الديمقراطي.
    هناك خطر بطبيعة الحال،حيث يمكننا ان نمر من حوار تجريبي الى سياسة دغمائية توجه تفكير الفرد وتحدد كيفية عيشه وتقيد حرياته.
    لقد لمسنا هذا خاصة في كتاب Sam Harris تحت عنوان The Moral Landscape, حيت انه اكد ان البحث العلمي يستطيع ان يمدنا بمعطيات واقعية للرفاهية. وبالتالي في نظره العلم هو الكفيل ان يعطينا وبصورة حيادية، الجواب حول ما هو العيش الافضل.
    كتابه هذا لقي هجوما واسعا ونقذا لاذعا من طرف المفكرين والمثقفين و حتى من رجال الدين.
    اننا لا نعارض فكرة ان البحث العلمي يجب ان يكون مشاركا في هذا الحوار 










    ماأعلمه انك انت وتلاميذك لم تقترحوا تعريفا واحدا للرفاهية،الا ترى ان هذا يشكل مشكلة في حد ذاتها؟
    بالعكس، لا يمكننا ان نضع الجميع في قالب واحد ، جاهز.بل نساعد الافراد على البحث عن هذه الرفاهية.اننا نعلم الفرد ان يتبع اربع مراحل اساسية.
    1.البشر يمكنهم التعارف
    2.البشر يمكنهم تغيير معتقداتهم اللاشعورية كما يمكنهم تغيير قيمهم.
    3.البشر يمكنهم البحث عن افكار جديدة وتطبيقها
    4.اذا أعملوا الفلسفة كنمط حياة يمكن للجميع ان يعيش في رفاه.
    الحديث معك سيدي لا يمل،لكن ارى ان Epictete نفذ صبره بالانتظار، وهو المعروف بصبره وجلده اللامحدود....
    سأرجع اليك بعد زيارتي للجميع للتحدث عن فن الرحيل من الدنيا بسلام.
    اشكرك جزيل الشكر على سعة صدرك.



















    سنزور اليوم رجلا ولا كل الرجال...اسمه ابكتاتوس Epictete.
    دعوني اولا وباختصار احدثكم عنه .
    ابكتاتوس تعني الرجل المشترى (العبد)،عاش حياة عبودية قاسية. عاش في Heriopolis بتركيا، لم يكن يتحكم في اشياء كثيرة في حياته.يقولون ان سيده كان يتفنن في تعذيبه.بعد معاناة مريرة بيع لسيد اخر متفهم،تركه يحضر دروس الفلسفة التي كانت تقام أنداك في شوارع المدينة. احب كثيرا المدرسة الرواقية كما احب فطاحلتها،وكان اشهرهم أنداك Musonius Rufus


    اتعلم ان فكرك استطاع ولحد الان الصمود رغم مرور الاف السنين. واستطاع ان يغير حياة الكثير الى الافضل بل ان ينقد حياتهم؟ 
    انا جد سعيد لهذا الاثراء. اجل اعرف ان الافراد وحتى المؤسسات والدول يطبقون افكاري المتواضعة.لقد قام البنتاغون سنة 2009 بوضع ميزانية بقيمة 125 مليون دولار،كان الهدف منها تعليم الجنود الامريكيين الجلد والصبر والمقاومة.
    هذا البرنامج وبشهادة صحيفة American Psychologist،يعد أكبر مشروع في التاريخ يندرج تحت مظلة البسيكولوجيا. قام بتنفيذها كما تعلم مؤسس البسيكولوجيا الايجابية Martin Seligman













    اما بالنسبة للأفراد فهناك امثلة كثيرة، سأوافيك بمثال او إثنين.
    نبدأ بالطبيبة العسكرية Rhonda Cornum , التي تحطمت مروحيتها اثناء حرب الخليج الاولى.فمات خمس افراد الطاقم وبقيت هي على قيد الحياة.كسرت يداها و تمزق عصب ركبتها.... وتم اغتصابها من طرف الجنود.اختارت ان لا تصرخ رغم معاناتها.اخدت كرهينة وسجنت داخل ثكنة عسكرية،ومورست عليها كل فنون التعذيب....
    تقول Rhonda ان تسجن كرهينة داخل ثكنة عسكرية فذاك هو الاغتصاب اليومي.
    فهمت Rhonda انها حتى ولو ان الحراس يتحكمون في حياتها كلها،لكن تستطيع هي ان تتحكم في شيء واحد هي افكارها ولن تترك جلاديها يتحكموا فيها.
    قاومت كل هذه العذابات واستطاعت بعد ذاك الخروج دون افشاء اي معلومات سرية.
    الان هي المسؤولة على برنامج Comprehensive Soldier Fitnessلتعليم الجنود الصبر والجلد والمقاومة .

    قبل ان نتناول امثلة اخرى،أود ان اتعرف على ماهية فلسفتك في الصبر والجلد والمقاومة؟ فلسفتي ترتكز على تجربتي الخاصة،تجربتي التي عشتها كعبد. حيث انني يمكن ان أعذب في اي وقت وحين، وبدون سبب،بل حسب اهواء ونزوات سيدي. 
    استطعت ان احدد اولا الاشياء التي يمكن ان اتحكم فيها والاشياء التيلا استطيع التحكم فيها.
    فمن بين الاشياء التي لا تتحكم فيها مثلا: الجسد،المال،الاصدقاء،الجيران،العائلة،الطقس،الماضي،
    المستقبل،الحالة الاقتصادية....الموت.
    بطبيعة الحال هناك اشياء يمكن ان تتحكم فيها نسبيا وليست كليا خارجة عن سيطرتنا.يمكننا ان نأكل بطريقة صحية،وان نتجنب الامراض،وان نعتني بأنفسنا واجسادنا. كما يمكننا ان نقوم بتمارين رياضية. وكذاك يمكننا ان نقوم بعمليات تجميل.... لكي يكون جسمنا على أحسن حال. لكن رغم كل هذا وذاك فهو يضعف ويتهالك حتى يموت.
    اما الاشياء التي نستطيع التحكم فيها فهي فقط افكارنا(معتقداتنا). فهذا هو مصدر حريتنا وسيادتنا.
    لهذا يجب علينا ان نوجه كل سلطتنا وطاقتنا على افكارنا ومعتقداتنا، لأنها مملكتنا الوحيدة.
    لدينا دائما حرية الاختيار في افكارنا ومعتقداتنا، في المقابل لا توجد اي سلطة حتى وان كانت محدودة على محيطنا الخارجي،الشيء الذي يدعونا الى عدم الحزن والخوف من اي شيء لا نستطيع التحكم فيه، كيلا نعيش حياة مقرفة وتعيسة.







    كيف يمكن لخطأ في التقدير ان يرمي بنا في دوامة المعاناة؟
    اتعرف ان سببين اثنين هما مصدرا معاناتنا وشقائنا!
    اولهما:حينما نريد ان نتحكم تحكما مطلقا في كل ما هو خارح عن سيطرتنا،فحين لا نستطيع ،ينتابنا احساس باليأس والفشل والتذمر، ونغرق في غضب و سلبية دائمين، ومعاناة ابدية.
    والثاني هو عدم تحملنا لمسؤولياتنا في الاشياء التي تعد تحت سيطرتنا والتي نتحكم فيها (افكارنا ومعتقداتنا(
    فبدل ان نتحمل هكذا مسؤوليات،نقوم بالنقد والتذمر من كل ما يحيط بنا.من ابائنا واصدقائنا،ارباب العمل، المؤسسات،الحالة الاقتصادية، البيئة، المجتمع.... وينتهي بنا المطاف الى التذمر واليأس والسلبية...فنصنع من أنفسنا ضحايا أبديين... ونعيش تحت رحمة العوامل الخارجية.فهناك امراض عديدة نتيجة هاذين الخطئين.
    في 2010،افضت دراسة بريطانية-عملت على الصحة النفسية للجنود البريطانيين في العراق وافغانستان- الى ان السبب الرئيسي للمعاناة النفسية للجنود لم تكن الحرب في حد ذاتها،بل كانت مرتبطة بالمكالمات الهاتفية لزوجاتهم اللواتي كن يعانين من المشاكل المنزلية-وهو المشكل الخارج عن سيطرة هؤلاء الجنود-فالإحساس بعدم القدرة على فعل اي شيء وكذا الاحساس بالعجز على مساعدة الاسرة او اي شخص قريب او عزيز...اكثر بكثير من معاناة هذه الحروب.
    لذا يمكننا التخلص من هذا كله، بمعرفة الاشياء التي نستطيع السيطرة عليها والاشياء الخارجة عن سيطرتنا.














    انك تقول سيدي ابكتاتوس أن الراحة والتوازن النفسي يأتيان اساسان من قدرتنا على التركيز على الأشياء التي يمكننا التحكم فيها دون الاكتراث بالأشياء الخارجة عن سيطرتنا .. هل يمكنك سيدي ان توضح فكرتك اكثر؟
    اجل، سأرجع بك ثانية إلى الجيش الأمريكي الذي أضحى يستعمل فلسفتي خاصة في دساتيره وقوانينه الداخلية. يقولون في أحد قوانينهم انه من الصائب للمقاتل والقائد على السواء ان يكونا هادئين ولا يكثرتا إلا بالأشياء التي تحت السيطرة. ..انهم يقومون بتداريب دورية على هذا الأساس. 
    كما أن هذه الأفكار يوصي بها Stephen R Covey صاحب الكتاب الشهير العادات السبع للناس الأكثر فعالية...يجب علينا أن نميز بين دائرتين : دائرة خارجية يسميها Covey دائرة القلق التي تحوي الاشياء التي تقلقنا ولا نستطيع التحكم فيها ، وأخرى صغيرة داخلية يسميها دائرة التأثير -تحوي الأشياء التي بوسعنا التحكم فيها وبوسعنا كذلك اخد نصيب كبير من المسؤولية.
    فكلما ركزنا قوانا وطاقاتنا على هذه الدائرة الأخيرة ، كلما كنا استطعنا أن نكون أكثر فاعلية وكلما كنا سعداء أكثر. 
    ان هذا لا يدل على اننا لا نأبه بالأشياء الخارجية المحيطة بنا...بدعوى أن مغاربي لا يستطيع التحكم في ما يجرى في فلسطين وبورما ونيجيريا والصومال.... من تقتيل ومذابح ....لدينا تحكم محدود على مجرى هذه الأحداث لكن يمكننا أن نؤثر وان نتحكم ولو بشكل ضئيل.
    كذلك اذا كنا نمر من حالات صعبة ومريرة في حياتنا ،مثلا مشاكل في عملك...إذا كان عملك لا يناسبك حاول أن تغيره بأحسن منه.
    إذا كنت تعامل بطريقة سيئة ...تكلم مع أحد أو واجهه وجها لوجه.
    ان الأحداث والمواقف الصعبة هي التي تعطينا الفرصة لتجربة دواخلنا.







    بتحديدنا للمساحة التي نتحكم فيها ألا ترى سيدي انك ساعدت كثيرا الأطفال والمراهقين الذين يعيشون في غالب الأحيان تحت رحمة الظروف وكذاك تحت دريعة الآخر وخاصة الآباء؟
    أعجبني سؤالك!
    انت تعرف انه لا يوجد سؤال غبي ...بل توجد أجوبة غبية.
    صحيح ياقتي! لكي نكون عمليين أكثر، سأجيب عن سؤالك بحالة حقيقية لأطفال عاشوا ظروف صعبة ومؤلمة في نفس الآن. والأمثلة كثيرة.....
    نذكر لا الحصر، مثال لبنت تتبعها العالم knaus في بداية السبعينات. وكانت تبلغ أنداك خمس سنوات، وكانت تعيش مع عائلة استضافتها عندها.
    كان ابويها يعيشان حياة مقرفة، ومحطمة. كانت امها تتناول المخدرات وكانت دائما تحت رحمة جرعاتها،كانت دائما محتاجة للمال لتأخذ جرعاتها اليومية.
    أما ابوها فكان بدوره كذلك مدمنا على شرب الكحول...كما كان يضاجع بنته-هذه الفتاة -التي كانت تبلغ الثالثة ربيعا. لقد اذاقوها كل تلاوين العذاب. ...
    لقد لاحق هذا الشعور هذه الفتاة سنوات عديدة...
    استطاع Knaus أن يعلم هذه الفتاة أساليب الصبر وتفهم ومعرفة اصل الأحاسيس وكيفية التحكم فيها. كما ساعدها أن تكون ايجابية وفعالة رغم أن تلك الصور لاتعدوا تفارقها في كل لحظة وحين.
    بعد سنتين ونصف من العلاج النفسي، بدأت هذه الفتاة تتكلم وتعبر عن معاناتها وألمها الدفين.
    كان الغرض عند Knaus أن يعلمها أساليب تطبقها في حياتها اليومية. لقد علمها كيف يمكنها التحكم في احاسيسها ....وساعدها في الخروج من معاناتها.
    قال لها "لما تشاهدين أمواج البحر...هل تستطيعين ايقافها؟" أجابت طبعا لا، لا يوجد أحد يمكنه أن يوقف أمواج البحر .
    عندما تذهبين لنزهة، وفجأة يهطل المطر...هل تستطيعين إيقافه؟ ردت قائلة لمذا تطرح هذه التساؤلات الغبية. طبعا لا
    فتابع سرد أسئلته. ..عندما تريدين أن تلبسي ملابسك قصد الذهاب إلى المدرسة ...هل تستطيعين اختيار ماذا تريدين ارتداءه ؟ نعم أحيانا. 
    هل يمكنك أن تتحكمي في الأشياء التي ترسمينها والتي تريدين كتابتها؟ نعم دائما.
    ثم قال لها الأشياء التي تمت مع والدك، هل هي تشبه الأمواج ام تشبه الأشياء التي تريدين رسمها؟ بعد دقائق إجابته بأنها تشبه أمواج البحر.
    من هنا اعتبر William Knaus أن التمييز بين الأشياء التي يمكن أن تتحكم فيها هذه الفتاة والاشياء التي لا تستطيع التحكم فيها، بإمكانها أن تجعلها تتغلب على معاناتها وألمها.
    واستطاعت -بعد هذا العلاج-هذه الفتاة أن تتابع دراستها وتحصل على مراتب مشرفة...ولم تسقط هي كذاك فريسة الإدمان، كما أنها تزوجت وتعيش حياة سعيدة وطبيعية، بعيدة عن التدمر ورمي اخطائها على الآخرين أو تقمص دور الضحية. لقد استطاعت أن تتفهم الأشياء التيلا تتحكم فيها وتعيش الان حياتها كأيها الناس.



    إلى الأعلى