728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أدبياتي 10 ~ إدريس المحدالي ~

    صمت مخترق


    الكل صامت، المكان والكتاب، كل شيء يسبح بالصمت الذي هو جوهر عبادة الموهوب، والذي يسبق صخب الكلمات المتراصة في إبداعات. يصمت الزمن والمكان والموهوبون، و سادة المخفر على قدم وساق، يمحصون الوجوه في حذر ممزوج ببغض للإبداع و أهله. بعد هنيهة، سرت ضجة خفيفة كالنار في الهشيم مخترقة الصمت الذي خيم للحظات كسحر فارق بين شاطئ الأدب و بحره، تتابعت الأصوات والكل يطلب الآخر أن يلزم 
    الصمت، واضعين أصابعهم على أفواههم في إشارة منهم على لزوم السكينة والهدوء.

    توقف سادة المخفر عن مراجعة الأوراق التي كانوا قد أخذوها من حقيبة ناولهم إياها حراسهم، ليتلوا منها الأسماء المرشحة من الموهوبين للرحيل إلى فسحة بحر الأدب، وشساعة الموهبة، و نعيم التأثير. فبترشيحهم للمختارة أسماؤهم سيقصى البعض الآخر، فكل اختيار يحمل بين طياته إقصائات.

    في ظل الاختيار ستنجو فئة من الموهوبين، و سيبقى السواد الأعظم مع المنتظرين إلى اجل غير قريب. تخيلت لحظتها أنهم لم يذكروا اسمي فسرت في جسمي قشعريرة الصدمة، وخفقان قلب سريع، كأن الأمر وفاة قبل الوفاة، ومفارقة الروح للجسد قبل المفارقة الحقيقية. أحسست بصدمة موقف لم أعشه بعد، فلخيالي القدرة على منحي عيش أي تجربة مرتين أو أكثر، واحدة حقيقية ونسخا من الخيال.


    تخيلت أيضا أنني سمعتهم ينطقون اسمي وما كادوا يفعلون، وأمرهم لي بالتقدم نحو القوارب الناقلة لنا من شاطئ الموهبة إلى بحر الاحتراف، والفرحة تتملكني بقبضة من حديد، والحلم قاب قوسين أو ادني من التحقق.  لكن الخيال لا يسمن ولا يغني من جوع وحده، فلابد له من موهوب، شجاع و مبدع  قادر على تأليف تجربة الإنسان، في قوالب من حكي وسرد فائق البيان، ومرصوص كالبنيان، فالكتابة بناء، ولابد للمحترف من مهارة البناء.
    عدت لرشدي، وتركت الخيال يتبخر كالسراب، وألقيت السمع، وتوحدت مع الجموع آملا وغير آمل، عسى الله أن يأتي بفرج يشق سحب الرفض، ويمطر بشتاء القبول.






    إلى الأعلى