مفهوم ثقافة السلم والسلام
بالنظر إلى ثقافة السلام، عنوان
هذا اللقاء والذي اخترته عنوانا لمداخلتي، فمن حيث تركيبته اللغوية هو مركب إضافي
من مصطلحي: " ثقافة – السلام'' ومن حيث دلالته هو: «معرفة عملية مكتسبة تنطوي
على جانب معياري، وتتجلى في السلوك الإنساني الواعي في تعامله في الحياة
الاجتماعية مع الوجود على نحو مجمل يشمل المنطلقات والأسس والمبادئ والوسائل
الكفيلة بتغليب حالة السلم على الحرب والوسائل السلمية على الوسائل العنيفة.»
أي لا بد لهذه الثقافة أن تنعكس على سلوك الإنسان وتصرفاته في جميع نواحي الحياة
الفردية، وفي تعامله في الحياة الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية الكونية كما لابد أن
تنعكس على علاقة الدول مع بعضها البعض، فتغليب حالة السلم ينبغي أن يكون واضحاً في
الوسائل والأساليب والمبادئ والقيم التي تستند إليها تلك الدول، إذ لا يعني تخزين
هذه المعرفة في الذهن أو الكتب أننا حمِلنا ثقافة السلام، أو أننا مثقفين بثقافة السلام.
ولمفهوم ثقافة السلم والسلام تعاريف عديدة
سأتناول منها تعريفين اثنين:
1_ مفهوم ثقافة السلام من وجهة نظر غربية
من أوضح وأشمل التعاريف
الدالة على مفهوم ثقافة السلام، تعريف اليونسكو لها؛ ويحددها في كونها: «مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد والعادات وأنماط
السلوك وأساليب الحياة بحيث تجسد في مجموعها تعبيراً عن، وطموحاً إلى: احترام
الحياة واحترام البشر وحقوقهم مع رفض العنف بكل أشكاله، والاعتراف بالحقوق
المتساوية للرجل والمرأة، والاعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير، والإعراب عن
الرأي والحصول على المعلومات، والتمسك بمبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة
والتنمية للجميع والتسامح والتضامن والتعددية وقبول الاختلافات والتفاهم بين الأمم
وبين الفئات العرقية والدينية والثقافية وغيرها من الفئات. »
إلا أنه، وبالرغم
من شمولية هذا التعريف وإيجابيه، مقارنة مع تعاريف أخرى، فقد أغفل بعد المعتقدات
وأثرها على ثقافة السلام، مغلبا عليها الأنماط السلوكية والعادات؛ في حين أن العقيدة
هي الموجه لثقافات العديد من الشعوب إن لم نقل جلها، متحكمة في مختلف أنواع نشاطها
أو سلوكاتها الاجتماعية، ومن ضمنها ثقافة السلام.
وكذلك
هو تعريف يتضمن عدة مفاهيم هي محل اختلاف بين الثقافات المتعددة، كاحترام
الحياة الفردية، ومفاهيم الحرية، العدالة، التماسك، التسامح وحقوق الإنسان، وكلها
مفاهيم متنوعة، تختلف بين أمة وأمة، بين شعب وشعب آخر، بل بين قبيلة وأخرى.
وهكذا نجد أن هذا
التعريف لا يشير إلى وجود حالة معيارية تقاس من خلالها ثقافة السلام قرباً أو
بعداً، تقدماً أو تخلفاً، صلاحاً أو فساداً، صواباً أو خطأً، فغاية ما في التعريف
أنه يتحدث عن مجموعة من القيم أو أنماط السلوك دون تحديد معيار للحكم عليها.
2_ مفهوم ثقافة السلام في
الإسلام
مفهوم يلخصه قوله تعالى: "{يا أَيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن
ذَكَرٍ وأُنثَى وجعلْنَاكُم شُعُوبا
وقَبائِلَ لِتَعارفُوا إِن أَكْرمكُم عِنْد اللَّهِ أَتْقَاكُم إِن اللَّه علِيم خَبِير)الحجرات/13). فالله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين لكي
يتعارفوا ويتواصلوا ويرتقوا إنسانيا. علما ان الشعوب والقبائل لا تتكلم لغة واحدة
بل لكل منها لغة مختلفة، وهذا النص القرآني تشجيع الناس كافة على احترام لغات
الأمم الأخرى ذلك أن هوية الشعوب تُختزَن في لغتها، ولذلك كان الاعتزاز باللغة عند
القدماء والشعوب العريقة والتأكد من أنها تصل من جيل إلى جيل بقوة ومعها مخزون من ثقافة
ذلك الشعب وتاريخه بكل ما فيه من تطلعات وتوجسات وقيم ومعتقدات ومخاوف وإخفاقات وبطولات.
وفي هذا النص الديني حثٌ للناس
على التواصل الإنساني والتعرف على الآخر بكل أشكاله بما يساهم في التطور الإنساني
للطرفين ونشر ثقافة التعارف والسلام، ذلك أن الجهل بالآخر
المختلف، يدفعنا غالبا إلى التوجس منه وإلى أن ننسج في مخيلتنا الأساطير والقصص عنهم
حتى بات الخوف يسكنه. لطالما تم تفسير الاختلاف على أنه دليل تهديد.
ويبقى التحدي الأكبر في هذا العصر هو المصدر الذي نتعرف فيه
على الآخرين والذي غالبا ما يستبعد الحوار الشخصي. فنحن نتعرف على شعوب ونكوّن
أفكاراً أو أحياناً مواقف منهم ونحن قد لا نكون التقينا بشخص واحد منهم أصلاً.
نسمع ما يقال عنهم عبر القنوات التلفزيونية وخاصة الإخبارية والجرائد والمجلات والانترنت. فالمعلومة التي تنقلها لنا الوسائط المتعددة تكون مقننة، في أغلب
الأحيان وفق معايير تدخل فيها عوامل كثيرة تجارية واجتماعية وسياسية وغيرها لتخرج
بهذه الحلية الإعلامية، فصورة الحقيقة لا تخرج للعيان كاملة نظيفة كما لو كانت على
أرض الواقع. فنحن نفهم الآخر من خلال ما فهمه غيرنا ونقله لنا وليس من خلال
تواصلنا المباشر معه، ويقوم الإعلام بدور حساس وخطير في آن.
وعليه لنتواصل كشعوب تسعى لترسيخ ثقافة احترام الآخر مهما
كان ولنكون أكثر وعياً عندما نحكم على الآخرين خاصة إذا ما لم تكن مصادر المعرفة
صافية. يـتعين
على المجتمع الدولي القيام بما يلي:
1_ رعاية لجنة عالمية للحوار فيما بين العقائد
من أجل بناء وترسيخ ثقافـة السلام.
2_ تنفيذ مشروعات للمناهج الدراسية ولتكوين المدرسين
تدمج أدب السلام والحوار بين المعتقدات وإسـهامات التقاليد الروحية في توفير حلول
لا تتسم بالعنف والصراع الدموي والحروب.
3_ دعوة المنظمات الدولية والوطنية والإقليمية
لتبادل الخبرات عن ثقافات السلام في كل منطقة مـن أجـل تعميم تجارب الآخرين، أو
لتمكين الجماعات المحلية من ثقافة السلام، أو لتعزيزه.
4_ خلق ودعم أدب ومسرح، وأفلام تليفزيونية، ومسابقات
إبداعية ورياضية حول السلام.
5_ رصد منح لأدب السلام وجوائز كجائزة نوبل
لأدب السلام لكـل الأعمـار.
7_ توفير الأمم المتحدة لقناة تليفزيونية خاصة
بتقـديم تقارير إخبارية غير منحازة، ولدعم عالمية ثقافة للسلام وإذاعة برامج
ثقافية من مختلف أنحاء العالم تساعد على زيادة التفاهم الدولي مع توفير الدعم
المالي الكافي والمعنوي والوسائل لكل هذه الأنشطة أكثر مما هو متاح في الوقت
الراهن.
والسلام...
سعيد تيركيت
الخميسات: 05 / 04 / 2015
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك،اضغط هنا : سعيد تيركيت

