728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أوراق مبعثرة على سرير الموت: الورقة الثالثة ~ عبد الوهاب اوذاير~

    الورقة الثالثة: " بداية "الغيث" كلمات"...
    ـــــــــــــــــــ

    " ها هو صباح جديد يختطفني من مهد الموت الرحيم الذي وهبت له روحي رغبة في تطهيرها من جراثيم الحياة، ليعيد إلقائي في حضرتها وكأن همه الوحيد هو رؤيتي أتعفن وسط تلك الجراثيم...
    خرجت من غرفتي المظلمة وحيدا كعادتي، أجر روحي المثقلة بالهزائم، بالخيبات، باللاجدوى وأنا محمول على  أجنحة الزمن الحادة، بعد دقائق من التحليق حطني (الزمن) من على أجنحته أمام باب الكلية التي هجرتها منذ حوالي أسبوع. ولجت بابها بقدمين متعبتين وروح متشظية، لم تكن لدي الرغبة في الولوج إليها ولا رؤية تلك الوجوه التي يعلوها الصدأ من كثرة الهموم، ولا الاستماع للغوغاء التي تحدثها القوارير الفارغة وهي تتكسر تباعا وسط ساحتها..التقيت في ذلك الصباح ببعض الطيور الجريحة المتمرغة في وحل الحياة وهي تحاول عبثا التحليق في سماء الوطن الملوثة بدماء الأحلام المغتالة بلا رحمة ولا شفقة وكأنها قطط جائعة أرادت الانقضاض على أسد جائع..
    وأنا أسير في جنباتها، تناهى إلى سمعي صوت رخيم قادم من إحدى القاعات كأنه صوت عندليب يصدح وسط حديقة غناء، أحسست به يخترق أسوار كياني اختراق الأسماك النور للظلام،  وتحيي بعضا من أحاسيسي الجامدة. ولجت القاعة، كانت ممتلئة عن آخرها ما عدا بعض المقاعد الشاغرة هنا وهناك، أخذت مقعدا منها وجلست. وبعد لحظة وجيزة انصهرت في خضم تلك الأجواء كما تنصهر قطعة السكر في كأس الماء وعم قلبي سكون لم أعهده منذ أمد طويل وكأن يدا ما تنتشلني من غرقي ......
    كان الصوت الذي أرغمني على دخول القاعة صوتك، كنت تقفين على منصة الحفل ترفلين في فستان أبيض، تمسكين بيدين مرتجفتين أوراقا تقرئين كلماتها بنبرة يمتزج فيها الإحساس بالتحدي....
    وأنت تقرئين، كنت أحس بكلماتك تلامس عقر وجداني وتمزق أوتار القلب المتهالكة وتعوضها بأخرى جديدة، تضمد الروح المكلومة بخناجير الوجع.. أحسست بها تخترق حدود قلبي وتوقد على جنباته مصابيح وهاجة تضيء بنورها مساحاته المظلمة...لم تكوني تقرئين شعرا في قصائدك بل كنت تقرئين نفسي وتحررينها من الأغلال التي قيدت بها منذ فترة طويلة...
    طوال الوقت الذي قضيتيه فوق المنصة لم أستطع إبعاد عيني عنك ولا قلبي عن كلماتك ولو للحظات، كنت مشدوها إليهما فاقدا لنفسي، تاركا إياها تستنشق بعضا من عبير التحرر الذي طال انتظاره....
    كنت قد أنهيت قصيدتك الأخيرة، حين تعالت التصفيقات والهتافات، وبقيت أصفق لوحدي غير عابئ بمن حولي..في تلك اللحظات تقدمت إلى طرف المنصة تحيين الحضور وقد ارتسمت على شفتيك ابتسامة عريضة. راقبتك بنظرات متتالية وأنت تتوجهين صوب مقعدك، بقي نظري مركزا عليك وكأني لم أر امرأة من قبل...
    انتهى الحفل وتفرقت الجموع. خرجت مسرعا نحو الباب وبقيت هنالك متسمرا كعمود كهربائي انتظر خروجك، ورغبة التعرف إليك وسماع صوتك تجتاحني اجتياحا. انقضت عدة دقائق، وخفت الحركة أمامي ولم يظهر لك أثر. رحت أجول ببصري داخل القاعة وخارجها، داهمني شعور غريب في تلك الأثناء، شعور لم أعهده من قبل كشعور غريق فقد طوق نجاته...

    واصلت البحث عنك في كل الممرات، ولكن بدون طائل وكأن الأرض قد ابتلعتك......"


    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك إضغط هنا: عبد الوهاب أوذاير
    إلى الأعلى