جريدة، قهوة.. ..الحبيبات لا تبدو طافية
غير أنها موجودة
بعد أن أتمكن من إنهاء بعض الأشغال
المنزلية الرتيبة، كل ما أريد القيام به هو قراءة الجريدة مع فنجان قهوة وخاصة ذاك
العمود الممتد على طول آخر الصفحة، ولكن كان علي التفكير فيما آل إليه جاري العزيز
ابرهيم، فقد تعرض للسرقة رفقة زوجته تحت تهديد السلاح الأبيض، الذي تسبب له في
جروح غائرة على مستوى معصمه في اليد اليمنى، التي أنقدت وجهه من علامة كتلك
المرسومة على وجه جواد المتباهي في حضور فتيات الحي من بينهم ابنة جاري؛ بالسنوات
التي قضاها في السجن بعدما قام بسرقتين واعتداءات متفرقة وهو تحت تأثير الكحول..
ولهذا فإني كنت قد بادرت أول أمس إلى
تقديم المساعدة لجاري العزيز، بعد "خطاب تطميني" له ولزوجته عن حالته
الجسدية والنفسية، عن طريق غسل ملابسه الملطخة بالدماء وإعفاء سميرة حرمه منها،
التي ما تزال مصدومة من هول ما أصابهم، وهم في جولة في المدينة تُرفهُ عنهم مشقة
العمل الأسبوعي..بحكم أنني أتوفر على آلة تصبين، غير أني لم أقرأ الإرشادات
المكتوبة بحروف دقيقة على مسحوق التصبين، عدا الاسم والعلامة التجارية، التي يمكن
مشاهدتها من مسافة ليست بصغيرة، المسحوق لا يزيل جميع البقع كما ُيروج لتركيبته
"الفعالة" في القنوات الثمانية..ما جعلني أقوم بما كانت تقوم به نساء
القرية سابقا عندما كانوا ينزلن إلى عين الدوار وهن متأبطات ب"الفراكة"و
"جفنة" على رؤوسهن ومسحوق رخيص لا يحمل أية علامة تجارية في كيس
بلاستيكي..
من الغرفة المقابلة للجيران كان بإمكاني
سماع الأفلام التركية؛ وهي تجمع العائلة بأكملها متسمرة في خشوع تام، حيث صوت
سيارة الشرطة يعلو صفيرها في مطاردة، للقبض على
أحد ما تسبب في جرم معين، فتذكرت سيارة أحد أصدقائي لونها لا هي سوداء ولا
زرقاء لون بين هذين اللونين بموديل قديم، لكنها سريعة وخطيرة إذ بالكاد تقفل
أبوابها.. كان الجميع يعتبرها سخيفة الشكل لما لحقها من أضرار في كل جنباتها
المتهالكة التي ُتظهر ما قاسته في طرقات لا هي مرصوفة ولا مطلية بمادة
"الزفت" السوداء.. غير أنها كم أنقدت من امرأة فاجأتها الولادة، وكم
أوصلت من مريض إلى المستشفى في الليل والنهار، في ظل افتقار مدينة تاهلة لسيارات
إسعاف، عدا واحدة تكون مركونة قرب المستشفى لا يدري أحد إن كانت تعمل أم لا؛ فهي
لا تبارح مكانها إلا في الحالات التي تستدعي نقل المريض إلى المستشفى الإقليمي مع
أداء ما يقارب 150 درهما..
لم يتبقى من أشغال البيت شيء، خرجت لشراء
مسحوق القهوة بينما وضعت الماء يسخن لهذا عدت مسرعا، كان هناك شخص تجمع الناس
حوله، فأدركت أن شيئا خطيرا يحدث فالرجل صورته في الجريدة مبحوث عنه بعدما قام
بتشويه وجه زوجته والعبث بجسدها..وبعد أن فعل ذلك سكبت فنجان من الماء الساخن مع
مسحوق القهوة، غير أنه لم يذب تماما فقد بدا طافيا، تناولت الجريدة متناسيا القهوة
لمعرفة تفاصيل قصة ذاك الرجل المليء جسده أوشاما، فوجدت أن زوجته تنازلت عن
متابعته قضائيا..تخيلوا الأمر تنازلت عن حقها..وضعت فنجان القهوة جانبا، وأعددت
آخر، حيث قمت بتحريك المسحوق مع شيء من السكر بالملعقة، بدا جيدا غير أني ما إن
ارتشفته حتى أحسست بحبيبات القهوة على لساني..الحبيبات لا تبدو طافية غير أنها
موجودة.
في هذا الصدد لابد من أن أستحضر، تلك
الفتاة الجميلة، كانت ترتدي ملابس جميلة وتلج إلى الجامعة مسرعة لا وجهة لها
بالضبط، بتنورة بيضاء مع قميص مفتوح الأزرار حيث أرادت أن يفتح، فاتحة بذلك
المجال، بحسب ما كان يقوله طلبة يتميزون عن غيرهم من الطلبة في التنافس فيما بينهم
على إطالة اللحى، والإكثار من الحمدلة.. "لغواية الرجال"، وقفت لا وجهة
أخذت الهاتف تريد طلب رقم، والمسكينة تتساءل كيف يمكن الخروج من هذه الورطة مع هذا
القوم..
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : أحمد المرسي

