أمي... لقد كذبوا
علينا في المدرسة !!!
ركض على
غير عادته بسرعة إلى منزله، و عيناه تكادان تنفجران بالدموع،
مر بجانب البقال دون أن يلقي
التحية، و لم يكترث هذه المرة لترحيب جارته العجوز
التي تقدم له الخبز الساخن...
هو
يوم غريب بالنسبة له، فخلال سنوات الأولى بالمدرسة بدا متحمسا جدا مقارنة مع
أصدقائه، فهو الوحيد الذي لم ينم لأنه و أخيرا سيذهب إلى المدرسة، كان يحدوه أمل و
طموح غريب.. أن يتعلم، فقد كان يدرك أن الحياة تستحق أن تعاش.
كان ينتظر
والده كل ليلة بعد أن يعود من عمله ليلاعبه، ثم يجلس لينغمس في القراءة، فولع
بالقراءة منذ نعومة أظافره، وكان يتمنى أن يصبح مثله
في كل شيء. فكانت أسئلته كبيرة جدا، و طموحه الصغير يكبر، رسم العالم بمخيلته
بألوان البراءة والصدق، فتعلم أن يتعلم فأحب المدرسة.
قبل
أن يخلد إلى النوم كل ليلة يقبل والديه، لرسم ابتسامة صدق على ملامحه، و يفتح
مجالا لمخيلته، و أسئلته فيوجهها بوجدانه إلى الله، يقرأ في هدوء <سورة الإخلاص>
و يحاول بعقله الصغير أن يفهمها، فتخامره أفكار لا يستحملها عقله الصغير فيجد
ملاذه في الأحلام.
لكن ما به يعود من المدرسة منكسرا كمن خسر
معركة...؟ !!!
دخل
إل المنزل و صرخ ملء حنجرته: أمي! أمي! أمي! ... أين أنت يا أمي؟
سمعت
الأم صراخ ابنها فخافت أن يصيبه مكروه، فأجابت أنا هنا يابني الغالي، ماذا وقع؟ ما
بك تبكي يا بني؟ تسأله في لهف و تقبله و تعانقه، و تتحسس جسمه الصغير، فهو يعود لأول
مرة من المدرسة في هذه الحالة. مسحت الأم دموع ابنها الوحيد، و أحضرت له كوب ماء،
ليأخذ أنفاسه ويستجمع قواه، ليبدأ الحديث بصوت ممزوج بالألم و البكاء...
أمي..؟ أمي لقد كذبوا علينا في
المدرسة؟
لم تفهم الأم ماذا يقصد الفتى الصغير،
فقالت: ماذا تقصد؟ هل أساء شخص ما معاملتك؟ ماذا حدث بالضبط؟
حالة
الابن النفسية أثرت على الأم فانتقل الألم إليها، الذي يتلخص في كلمة أطلقها الطفل
بعفويته وبراءته و هي "أمي لقد كذبوا علينا في المدرسة" هي عبارة
تختزل الشيء الكثير بالنسبة لهذا الطفل، وتحمل في طياتها فهم بسيط لمعالم مجتمع صغير
هو المدرسة، كنواة ثانية بعد الأسرة، فهل هي بداية اكتشاف أن الحياة ليست كما
نرسمها في مدركاتنا؟ أم هو إدراك لتناقضات الحياة بثنائية اللذة و الألم، والجريمة
و العقاب؟
فما
سر عبارة أمي لقد كذبوا علينا في المدرسة؟
استرسل
الطفل في الحديث إلى أمه، وكله أمل أن يستطيع نقل ما يخالجه إليها، و قال: لقد قلت
لي أنت و أبي أن المدرسة أم ثانية تعلمنا و تربنا و تصنع منا رجال الغد، صحيح.
أجابت الأم: صحيح.
وقال: فلماذا يكذبون علينا يا أمي؟
هل يريدون أن نكذب نحن كذلك؟
لقد علمتني أن أحب بعمق، فلما
يجعلنا الحب نبكي و نتألم بسببه. لماذا؟
و المعلم يخبرنا أن التدخين مضر
بالصحة، و يجعلنا نردد "العقل السليم في الجسم السليم" لكن يا أمي؛ هو
نفسه يدخن لقد رأيته يدخن رفقة بعض الرجال في المقهى! فلماذا؟
عجزت الأم عن الإجابة !
و سكتت كمن أفحم !
أمي أخبرونا كذلك أن "النظافة
من الإيمان" و أزقتنا مليئة بالنفايات! فلماذا يا أمي؟
أمي لقد علمونا أن في الاتحاد قوة،
لكن فلسطين تموت، و الشام...
أطبقت الأم على فم ابنها، و قالت
"كفكف دموعك يابني، فأنت أمل المستقبل". كانت تعلم أن ابنها الوحيد بدأ
يكتشف العالم بعيدا عن الأحلام السرمدية.
عن
أي مستقبل تتحدث الأم؟؟؟
إنجاز: توفيق
الراوي
محاولة قصة
قصيرة (كلمات لابد لها أن تخرج)
08/08/2012

