روعة الله و العلم
أمام المشهد الكوني المذهل، تتبادر أسئلة وجودية بشكل تلقائي إلى ذهن كل عاقل فينا: " من أوجد كل هذا"، "كيف خلق هذا"، "و لماذا خلق.. ما الغاية منه".. و الأسئلة لا تتوقف عند هذا الحد فعندما تمعن التأمل، تتساءل: "و ما الحكمة من وجودي ـــ أنا الإنسان ـــ هنا؟".
غالبا ما كان يتبادر هذا السؤال إلى ذهني، و إني لغاية هذه اللحظة ما زلت عاجزة على الإجابة عليه جوابا كاملا متكاملا يستشفي و يلف الموضوع من جميع جوانبه، و إن كان لهذا السؤال جاب فوري تجده جاهزا عند جميع رجال الدين، مستدلين بالآية الكريمة: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذريات:56]، لست أمانع مثل هذه الأجوبة، و لكنني أراها قاصرة ما دمنا لا نروج إلا للمعنى السطحي لها، أو ما دمنا غير قادرين على الغور في أعماق ما قد تعني كلمة 'ليعبدون'. ربما كانت هذه الأجوبة تهز قلوبا من قبل، لكنها الآن أضحت جوابا عابرا، و نارا باردة ما عادت تهيج. أتجنب مثل هذه الخطابات غير المفصلة.. أريد جوابا أعمق، لا حفنة ماء من بحر. أريد بحثا شاملا متكاملا، يشفي غريزة الفضول في، و يوقف هذه الإضطرابات التي تكاد تخنقني، و لربما نزحت بي إلى ما لا يرضاه ربي، فأسقط في بحر التيه و الضياع مع من نزحوا قبلي من الملحدين. و لأن الأقدار تظهر بادئ الأمر عبثية، لم أكن أظن أن وجود ذلك الأستاذ و تدريسه لتلك المادة سيخلف ما خلف في نفسي. كان هذا في الثانية بكالوريا، و رغم الطابع الدراسي التهيئي لهذه السنة، حيث يكون الأستاذ ملزما بتطبيق البرنامج الدراسي بكل حذافره.. كان هذا الإستاذ يحملنا إلى مستوى أكبر، فتارة يحدثنا عن بداية الكون، و مرة عن الجسيمات الأولية، و أخرى عن نظرية الأكوان المتعددة. فأصبحت مولعة بالعلم، و لأن الفيزياء أساس كل العلوم ـــ لأنها تبحث في صميم الوجود ـــ قررت أن أبدأ منها. و فعلا، فسرت لي الفيزياء العديد من الظواهر، و كانت حبل نجاة أعادني إلى الله. و هي نفسها الحجة التي يقدم الملحدون لإنكار وجود الله، فكلما سألتهم عن تفسير ظاهرة ما في الكون، بادرك بالجواب على السؤال باخر ما توصل إليه العلم واضعا كل إيمانه بالطبيعة و ما وفرته له. الفيزياء منظموة من القوانين و المعادلات التي تدخل فيها قيم الثوابت الكونية ــــ و المنظومة كلها اسمها النموذج القياسي ــــ ، لكنها تضل قاصرة إذ لا تعرف السبب الأول وراء هذه القوى أو الميكانيزم الذي أوجد هذه القوانين و الثوابت. و الآلية التي بإمكانها أن توجد قوانين و ثوابت كوننا يستحيل أن تكون جزء ا من كوننا لأن هذا معناه أن هذه القوانين أوجدت نفسها بنفسها وهذا مستحيل بديهيا. لذلك لا بد من إله ــــ إله سابق للمكان و الزمان و المادة و الطاقة ــــ، فلا يمكن بذلك أن يكون هذا السبب الأول هو الطبيعة لأنها بذاتها الزمان و المكان و الطاقة، إذا فمن المستحيل التفسير من داخل الكون. و هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الملاحدة، إذ يضعون الإله و الطبيعة في مستوى واحد في الفعل. و يزيل هذا اللبس كله أن ندرك أن الطبيعة تقدم الآليات انطلاقا من قوانين وء معادلات، أما الإله فهو السبب الأول وراء هذه الآليات، أي أنهما من مستويين متتاليين ليس في الجمع بينها تعارض.
يقول الله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير } [العنكبوت:19ــــ20]، هذه الآية تسترعي انتباه العبد، و تثير غريزة التفكير و الإدراك لديه، و الرغبة في البحث والتنقيب عن سر انتقال هذا الكون العظيم من اللاشيء، إلى طور الوجود ثم التخلق فالقرار ثم الحياة. فيالروعة العلم، و ما أشد روعته حين يقترن بالإيمان!
لللتواصل مع الكاتبة على الفيسبوك ، اضغط هنا : أمينة أبوالميرة

