خرج من المنزل
مسرعا ، حاملا محفظته الحمراء تتوسطها دائرة صفراء تحمل رمز " فيراري " ،
بين الفينة والأخرى يخرج هاتفه البسيط من جيبه ، يفتح الشاشة ، يتمعن في الزمن ، يبرمج
في مخيلته وقت الوصول وكم سيستغرق سائق الطاكسي في الطريق ، قبل ذلك عليه أن يركب
حافلة توصله لمكان محطة الطاكسيات ، ما بات يقف في المحطة حتى ظهرت الحافلة
المنشودة ، صعد و كالعادة يرسم مستطيلا بيده في الفراغ إلى الكمسري أنه من أصحاب
البطاقة .. يتقدم بضع خطوات جانب السائق ، محطة تلو الأخرى وهو ما يزال يبرمج متى سيصل خائفا من ضياع الموعد ، ضياع العمل ..
توقفت الحافلة عند محطة الطاكسيات ، نزل بخطوة واحدة نحو الأرض و عينه نحو طاكسي
أبيض ذا قبعة صفراء كتب عليها بحروف لاتينية « GRAND
TAXi » مشى إليه مهرولا سائلا رجلا يظهر عليه أنه
السائق ، فهم متشابهون في كل شيء ، قبعة بيضاء تميل للسواد ، لحية موزعة في كل بقاع
ذقنه، سروال ثوب و نعل تقليدي ، قاميجة مخططة كحمار وحشي يحتضر ، أجابه بصيغة
حادّة :
" راهوا
الطاكسي ، يعمرو البلايص و نتحرك "
.. قفز نحو
السيارة منتظرا باقي الزبناء ، جلس في المقعد الأمامي ، أخرج هاتفه مرة أخرى، لكن هذه المرة ليلعب قليلا ، لعبة أدمنها مذ أصبح من رواد هاتف
" نوكيا بيل " : لعبة الأفعى-SNAKE- .
تمر الدقائق ، و مع كل ثانية يزداد قلقا و توترا
.. أخيرا جاء الفرج و هم خمسة زبناء دفعة واحدة. جاء السائق ، أقفل الأبواب بزدحة قوية لو فعلها
أحد الزبناء لتمت عملية غسله بشتى أنواع السب والشتم و القذف ، جلس مكانه ، أمسك
المقود و انطلق على بركة الله ..
وصلت السيارة
البيضاء بقبعتها الصفراء إلى الوجهة ، نزل مغلقا وراءه الباب بهدوء ، فهو لا يفكر
في مشادات كلامية الآن ، عينه تتجه صوب طريق طويلة تظهر من مكانه هذا كأن لا نهاية
لها ، في الأفق هناك .. سار و سار و مشى متجاوزا كل الحواجز أمامه ، من بشر و
حيوان و جماد .. وقف عند مسجد ، لم تقم فيه صلاة الظهر بعد ، أكمل المسير حتى
المنعرج، التفت يمينا ثم يسارا فوجد مسجدا آخر أقيمت فيه الصلاة .. نزع حذائه
الرياضي و هو يتذكر حادثة من ماضيه ، حين سرق حذاءه الجديد من مسجد ليس ببعيد ،
لكن هذه المرة ليست كسابقتها ، فهذا حذاء مستعمل لا فائدة منه ، استطاع إقناع نفسه
بهذه الكلمات متناسيا ما قد يقع ، وضع الحذاء في مكانه ، وضع المحفظة أمامه ثم سجد
مع الجماعة ، سلم الإمام و قام ليكمل ما تبقى له من ركعات .. و هو يردد التشهد
الأخير إذ بالهاتف يدغدغ فخده الأيمن ، سلم ثم توجه نحو حذائه ممسكا محفظته متمعنا
في الهاتف " رقم خاص " ، خرج من المسجد ، أجاب :
- السلام عليكم ،
من معي ؟
- ( صوت نسائي ) و
عليكم السلام ، خويا عماد ياك ؟
- إييه ، مرحبا هو
هادا
- راحنا كانتسناوك
، فينك ؟
- هاني يالاه خرجت
من المسجد لي حداكم ، قدام الباب
- حسنا ، هاني
جايا
التقى بها ، امرأة
طويلة سمراء اللون ، ترتدي حجابا عصريا ، لا بد أنها متزوجة ولها طفل أو طفلان ..
يتبع ...

