728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (10) ~مهدي يعقوب~

    ليندن ... فسيفساء عالمية ! في بدايات تعوده و تأقلمه مع الجو الألماني ، اختار أن يذهب بعيدا ، و أن يعيش وحيدا فريدا ، هو الذي لم يجرب يوما قط أن يصنع ذلك ، بل كانت الوالدة هي الملاذ الأخير فيما يتعلق بالطبخ و الكنس و متطلبات الحياة الضرورية ، فقد كان في منزل والديه كالضيف ، يأتي فقط ليأكل و يضاحك مضيفيه ، ليذهب فيما بعد إلى حال سبيله ، و لكنها كانت تجربة صعبة ، فبداية ، كان عليه أن ينتقي أحد أحياء المدينة ، يكون واجب الكراء فيها منخفضا نسبيا ، و تكون قريبة لمحل الدراسة فلم يجد إلا ليندن ، و ليندن هذا شارع ، أو لنقل ربع من ربوع المدينة ، و كان يستحق أن يطلق عليه فسيفساء عالمية ، بامتياز ، حاز هذا الربع بين جنباته كل العالم ، جنسيات من مختلف الأقطار ، حتى أن الداخل إليه ، ليسمع الألمانية ، الإيطالية ، الإسبانية ، التركية ، المغربية ، اللبنانية ، و باقي اللهجات في تناسق غريب ، و الكل يعيش ، فذكره هذا الجو على غرابته ، ببعض التعايش الإجتماعي الذي كبر فيه و ترعرع ، و انشرح قلبه له ، خاصة أنه يقرب الجامعة التي فيها سيدرس ، فبدأ أول ما بدأ بالبحث عن منزل للكراء في هذه الناحية من المدينة ، فاتصل بعشرات الأرقام ، حتى أخد موعدا مع مالكها ، فكانت امرأة من الريف الألماني ، جاوزت الستين بقليل إذا صح توقعه ، رمقته بنظرة فاحصة و راحت تستفسر عن وضعه في ألمانيا :



    ــ لعلك أجنبي عن ألمانيا ، و تأتي إليها لأول مرة

    ـــ تماما أيتها السيدة هو ذاك ، كيف عرفت ذلك

    ــ لهجتك بها شيء من التعثر ، غير أن الأمر سيتطلب بعض الوقت حتى تتعود على اللغة الألمانية ، و ربما ستشعر يوما بالسأم من إتقانها

    ـــ لا يا سيدتي ، لا أظن ذلك ، فالذي يحب شيئا لا يسأمه

    ــ إذا أنت تحب الألمان !!

    شعر بالإحراج من هذا السؤال ، فبحث عن مخرج ذكي قائلا :

    ــ لغتكم تستحق الإعجاب ، و لم أر حتى الآن مكروها من ألماني قط ، فلم يتوجب علي كره أو سأم قوم لم يتسببوا في أذاي ؟

    ــ بالرغم من تعثر لغتك فأنت ثرثار بالمعنى الإيجابي للكلمة ، ربما يكون لك شأن في ميدان الكتابة شعر بضحكة خفية تراوده عن حزمه في ذلك الوقت ، فلم يكن يعرف أن قسماته و كلامه سينمان يوما عن اتجاهه الدراسي

    ــ تماما يا سيدتي ، فأنا مبتلى بالكتابة منذ نعومة أظفاري

    ــ حسنا فلنتكلم في المهم الآن ، الشقة صغيرة ، و ستكلفك 230 أوروها ، و يجب عليك أن تعرف أني لا أحب أفاعيل الأجانب ، غير أني ارتحت لك ، و أتمنى أن لا تكون مثل الآخرين حز في نفسه ما سمع ، غر أنه كتمه في قلبه ، و الحق أنه لا يجب عليه التبرم ، لأن أفاعيل ما يسمون بالمسلمين في بلاد الغرب تخجل منها حتى الأحجار ، لا يجب أن يعمم نعم ، غير أن هناك فئة لا بأس بها من مسلمي اليوم الذين يعيشون في ألمانيا يفعلون أشياء لا تمت للإسلام بصلة ـ

    ــ كوني مطمئنة يا سيدتي ، فليس لي أصدقاء ، إلا قليل القليل ، و كما ترين ، فأنا في عرف الإعلام اليوم إرهابي ، ألا ترين لحيتي الآخذة في النمو يوما بعد يوم !

    ــ ليس على ملامحك أثر أولائك الأوغاد ، عيناك لا تنم بغدر !

    ــ كل الشكر لك ، و بالنسبة لقيمة الكراء ، ستصلك أول كل شهر على رصيدك في البنك

    ــ حسنا ، العمارة التي ستسكن فيها ليس فيها إلا الألمان ،و أكثرهم من المعمرين ، فلا تأبه إذا ما عاملوك بشيء من اللا تقبل ، خاصة أنهم من عهود النازية

    ــ حسنا فليساعدني الله ، إن شاء الله لن يكون هناك ما يدعو للقلق

    ــ هيا إمض هنا أيها الشاب ، و ليساعدك الرب في حياتك ، تذكرني حقا بشبابي ، في عينيك وميض عجيب من الحيوية ، و الرغبة في تحقيق الهدف

    ـــ شكرا لك ايتها السيدة

    و كانت تلك المرأة تحمل من الأخلاق الشيء الكثير ، حتى أنها في بعض الأشهر ، كان يستأذنها في التأخر في الدفع بعض الأيام أو حتى إلى نصف الشهر ، فلا تمانع ، و تقبل عن رضى تام ! كانت البنايات في ألمانيا متشابهة إلى حد كبير ، فلم ير خلال تجواله في تلك البلاد ، ما رآه في الكثير من الدول العربية من اختلاف غريب ، و تبيان واضح للطبقية ، بل إن البنايات في ألمانيا تشبه إلى حد كبير البنايات في الرسوم المتحركة ، نمط واحد غلاب على كل البلاد ، حيث لا يمكنك التفريق بين الغني و الفقير ، و هذا من ذكاء الألمان ، نعم يوجد في امانيا أغنياء ، و منازل فردية فارهة ، غير أن لها مكانها البعيد نسبيا عن العمارات التي يسكنها العامة ، و على العموم كانت البنايات في المانيا لها أسقف من القرميد الأملس ذي اللون الأحمر ! ليندن ، ذلك الربع العجيب ، و كان ارتباطه به ، ككتاب جميل ، كحكايات الصغار الخرافية ، حيث يطير بخياله الناعم إلى دنيا الفرح ، في ظل الغربة و الإحساس بالوحدة أحب هذا الحي حبا شديدا ، أحب انتماءه له ، أحب أزقته الضيقة ، و الواسعة ، أحب حتى اقصى الحب النهر الجاري تحته ، كسفينة تطير في الأفق من دون ربان ، كان يخرج في الليل البهيم ، حينما السماء في عرس بين النجم صافية تكون ، و ينظر مناجيا قمرا بدرا ، يحدثه ، يساله عن رفاقه و أحبابه على بعد ألاف الكيلومترات ، و حينما يبلغ به الحنين مداه الأقصى ، كان يحول اهتمامه إى جمال المكان و رومانسيته ، حتى لا يفقد دموعه الغالية وحيدا في بلاد الجرمان ! حتى عمارته التي كان فيها يقطن ، كانت كالدرة بين كومة من الحدائق الجميلة ، ومراتع لعب الأطفال الصغار ، ياه ، ما أجمل عيونهم الزرق ، ما أجمل ضحكاتهم ، ما أجمل خفة حركاتهم ، إنهم كنسيم الهواء بارد شيئا ما غير ان انتعاشه ينسي برودته !


    كان يراقب بيوت الألمان التي تقبع في هذا الربع ، كأنها مجموعة من بسط واقفة ، تشهد على مر الزمان هناك ، ففي ألمانيا ، العمارات كلها تتشابه ، خاصة في المناطق الشعبية كهذه ، و من شدة فرحته بذلك المكان ، كان ينزل كلما انتهى من أشغاله ، و يطلق العنان لرجليه لا ينوي على جهة ، تذهبان به حيث ترومان ، حتى في أيام الشتاء و الثلج ، حين تعود على الوضع و الجو ، كان يخرج في جولته الليلية الشبه يومية ، لاكتشاف هذه الأرض ! و كان يروقه جدا ، أن يكتشف العجائز و الأطفال ، حينما يحلو الربيع جوا مثلا ، و تشرق الشمس بلطفها ، لتدفئ ما استهلكه برد الشتاء من الأجساد و الأرواح ، فكان ليندن في الخريف كعجوز يتأهب للرحيل ، في الشتاء كعجوز نائم ، و في الربيع ينفض عنه غبار البرد ، ثم يأتي الصيف فيضحى ليندن ، فرحة تتلألأ ، فتغدو الأشجار ، مورقة الأزهار وارفة الثمار ، كأنما ، تراودك عن جوعك ! و كان الصيف بحق أجمل الفصول في ألمانيا على الإطلاق !

    فيسبوك الكاتب: مهدي يعقوب
    إلى الأعلى