728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (3)~ مهدي يعقوب

    في البهو المخصص للإنتظار ، كان يقلب عينيه بين المسافرين ، و يرمق الطائرة الرابضة في ساحة المطار كلما سنحت له الفرصة ، و كأنه كان يحاول أن يرتشف كل النظرات من بلده قبل أن يستقل الطائرة ، كان المسافرون كأطفال صغار ، ينتظرون الحصول على لعبة طالما رمقوها و انتظروها بشغف ، و كان هو ، كالثمل ، لا يدري فيم يفكر ، و كيف يفكر أصلا ، في ظل الخوف من هذه التجربة الجديدة التي ستحمله فوق السحاب لأول مرة ! كان الوقت لا يزال مبكرا نسبيا ، و يلزمه الإنتظار ساعة إلا ربع في قاعة الإنتظار ، الشيء الذي زاد من تبرمه ، فانتظار وقوه الشيء ، أسوأ من وصوله ، خاصة إذا كان مزعجا .


    image



    الطريق الى لوفتهانزا ٣







    حان وقت صلاة الظهر ، و آثر على نفسه إلا أن يصليها هناك ، أخرج سجادته التي تأبطها في حقيبة ظهره ، هي و مصحف متوسط الحجم أهداه له صديق طفولته قبل توديعه ، ثم شرع في تأدية الصلاة ! لم يبال بأنظار الناس ، فقط دخل في صلاته ، و حاول قدر الإمكان أن يخشع فيها ، كونه لا يعرف هل سينزل من السماء جسدا واحدا أم أشلاء ! و من يدري !! ألي من قضوا في حوادث الطيران كانوا قبل صعودهم الطائرة يخططون لما بعد سفرهم ، و لم يكن الموت ليخلد لهم في بال ؟ لم يبال بأنظار الناس ، نصارى هم أو مغابرة ، هؤلاء الذين سيستقلون معه نفس الطائرة ، لا بد أنهم يطرحون في أنفسهم تساؤلات شتى حول هذا المغربي ذو التاسعة عشر عاما ، الذي قام و اتخذ مصلاة أمامهم ، و العالم للتو خارجا كان من ضربات غيرت وجهه ، و صفحات خطاه ! لم يهمه ذلك ! كل الذي كان يهمه في تلك اللحظة ، ربه الذي كان يعبد ! كان يقينه فيه عاليا ، أنه سيكون ملجأه الوحيد في غربته ، و أنه هو من سيسبب له الأسباب التي ستعينه في غربته ! هنا ابتدأ ذلك الشعور بالتساؤل عن معنى حياته ، و عن كل هذه الأعوام التي قضاها منذ ولادته ! عن معاملته لوالديه ، عن الحياة ككل ، عن معنى أنه مخلوق في هذي الدنيا ! كل هذه الأسئلة كانت تدور في خلده ، طيلة الأيام التي سبقت سفره ، و التي قضى أغلبها وحيدا ، كعادته منذ صغره ، يجال الكتب و يحاورها ، كما يجادل الأصدقاء أصدقاءهم و أحباءهم !
    قضى صلاته ، ثم طوى سجادته و أعادها إلى حقيبة ظهره ، ثم عاد إلى بدوره إلى مقعده الذي فيه ينتظر كان ، لم يلبث فيه كثيرا ، كانت الساعة تشير إلى الثانية إلا ربعا ، و نصف ساعة كاملة تتحدى الملل في الإنتظار ! لا يحب الإنتظار ! كان يكره أن ينتظر هكذا بدون فعل شيء ، خاصة حينما يكون متوترا ، و لا يقدر على معاقرة كتاب ! قام من مكانه ، و اتجه نحو الباب ، و أراد أن يتجول في البهو الخارجي للمطار الذي يفصل بين كل ردهة و ردهة ، بين كل رحلة و رحلة ، بين مصائر عديدة ستشد رحلاتها نحو السماء ! رمقه شرطي المراقبة فبادره قائلا :

    ـ إلى أين أنت ذاهب أيها الشاب ؟


                                                                  


    يتبع...






    طاقم مدونة الأدب
    إلى الأعلى