728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    قراءة نقدية لرواية كويتز الكواتل ~ أحمد يحي~

    قراءة نقدية لرواية كويتز الكواتل  للكاتب هشام الدراز بقلم احمد يحيى


     إذا كان من الحق أن يُعطى صاحب الحق حقه، فمن الحق أيضاً أن لا يُعطى الحق لغير مستحقه.ومن هنا فالنقد خطير ولا يجوز لأحد أن يُطلق لسانه أو قلمه بالنقد من دون بلوغ رشد العلم وامتلاكه أهلية الرد والمماحكة.
    النقد الأدبي والجزء الأهم منه النقد الروائي، ذلك لما للرواية من مكانة شعبية بين أجناس الأعمال الأدبية لهو عملية جد مهمة ولا بد لها من علم، وبلوغ، وإثبات، وتبيان، ووضوح هشام دراز كاتب مغربي يدخل عالم الرواية عبر روايته الجديدة " كويتز الكواتل" اسم غريب لجمهور القراء العرب، وهو يلطفه بالعنوان الثاني " المايا يحكمون العالم" طبعاً في الجزء الذي نُشر لم نجد أحد من المايا يحكم العالم ولا حتى من معه. بل وجدنا شخصاً وهو بطل الرواية ينتمي لحضارة المايا لكنه ما زال في طور التعلم والتلقي.
    المهم الرواية تطرح الكثير من الأسئلة المتنوعة والمتعدد الوجوه سواء على صعيد الحبكة والبنية التي تتجه بالرواية نحو الرواية ذات طابع " الخيال الأدبي" أكثر منه رواية ذات وصف آخر. ويبقى السؤال الذي يواجه أي كاتب هو: ماذا تريد الرواية أن تقول؟ أو ماذا يريد الكاتب أن يقول؟ أو بالمختصر ما هي الغائية من وراء العمل الأدبي هذا؟
    قبل الوصول إلى الإجابة عن هذه الأسئلة المهمة يجب المرور على أمور تدخل في بنية العمل الأدبي وتنطوي تحت عنوان أسلوب الكاتب. فمما لا شك فيه أن الكاتب يمسك بتلابيب القارئ منذ اللحظة الأولى، عبر آليتين من آليات السرد الأدبي وهما الوصف والمفاجأة. بالأحداث من دون أن يُدخلك الكاتب بحالة الملل أبداً. حقيقة يمتلك الكاتب سعة خيال كبيرة وله باع كبير في تخديم قدراته اللغوية لما يريد من وصف وتقديم الصورة المشفوعة بالخيال الأدبي.
     الأخطاء اللغوية في أي عمل أدبي يقع على عاتق المدقق اللغوي ولكن يستطيع القارئ أن يلمس تأثير الثقافات الأخرى في تركيب وصياغة الجمل التي أتت في بعض المحلات كأنها ترجمة إلى العربي مثل " عفن؟ عفن؟ .. أين هو ليؤنسني بالأسماك الضخمة التي كان يجذب" الصفحة 27 هنا لا علاقة للمدقق في مثل هذه العبارات والجمل التي هي ملك الكاتب. مثال آخر في نفس الصفحة" ...وهو يرمي يديه هنا وهناك عساه يصطدم بالقطعة الخشبية الثمينة كان يسبح" هذه الجمل والعبارات لا تقدم ولا تؤخر على صعيد الحدث الروائي ولكنها تُضعف العمل. وتشير إلى إمكانات الكاتب اللغوية.
    روعة الوصف والقدرة على نسج الصور وترتيب الأحداث مع السلاسة في السرد الأدبي هي صفات امتلكها الكاتب وسخرها في خدمة عمله الأدبي مما جعل القارئ أسير المجريات في محاولة فهم ما يجري وما يدور بالرغم من أن الكاتب لا يستخدم أسلوب اللعب على الكلمات أو الجمل، أو أن يستخدم الكلمات أو المصطلحات الغريبة أو الصعبة على الفهم والإدراك، بل بالعكس أسلوبه يصنف ضمن السهل والخصب بآن معاً. وهنا نصل إلى حرية البطل أو الأبطال في سير الحدث. لنجد بأن البطل يسير وفق خطة مرسومة ومحددة خالية من انفلات شخصيته عبر سياق الأحداث لتكون حرة في صناعة الحدث.
    فالكاتب من هذه الناحية كان مسيطراُ على سير الأحداث وتحديداً المتعلقة بالبطل الذي تحول إلى ما يشبه التلميذ الممسك بيد المعلم (الكاتب) ليصل به إلى شواطئ الأمان. هذا من جهة ومن جهة أخرى في عمل أدبي مؤلف من 155 صفحة خصص الكاتب 53 صفحة لوصف رحلة بحرية على جذع شجرة لم تحمل في طياتها أي خدمة للفكرة المراد الوصول إليها بالرغم من جمالية الوصف والتحكم بالسرد في هذه الصفحات لكن أن يذهب ثلث الرواية على رحلة بحرية تدخلت فيها الآلهة للمساعدة لم تكن ضرورية وبرأيي لا تخدم الحدث الروائي ما هو الحدث الروائي؟ أو ما هي الغائية من هذا العمل؟
     هنا نجد عقبة أساسية ومهمة جداً تمنعنا من إعطاء الحكم على هذا السؤال أو حتى بالإجابة عليه لأن الرواية وبخلاف ما نعرف (مع أحقية الكاتب بالتصرف كما يريد) انتهت بكلمة يُتبع... يتبع ماذا ؟ ولماذا؟ ماذا سيجري فيما بعد؟ هذا ما لا نعرفه وهو محكوم بما سيصدر...وبرأيي هذه عامل ضعف وليس قوة فنحن لسنا أمام مسلسل رمضاني فمن حق القارئ أن يصل إلى خاتمة محددة. ولكن هذا أسلوب الكاتب وحقه أن يفعل بإبنه ما يريد... إنما نسجل بضعة ملاحظات على الحدث كما جرى بما كان بين أيدينا من صفحات.
    بالطبع الرواية ليست حقائق علمية ولا حتى أدبية فهي بالنهاية تعبير واعي عن تجارب موضوعية تُطرح برؤيا متقدمة بناء على معطيات موجودة فهي ليست خيال علمي أو دراسة نمطية لشيء ما، ولكنها بالنهاية تُقدم غاية معينة أو فكرة ما، أو تصل لهدف ما. وقد تكون الرواية استشرافية مثلاً (1984 لجورج اورويل) وهي هنا تدخل حقل الإبداع الأدبي.
     إن قدرات الكاتب الأدبية تفوق الحدث الذي سُخرت من أجله (أقله لما بين أيدينا) فتمكنه من عالم الرواية أتى اكبر من الحدث الذي تناوله. أنا هنا لا أريد أن أتدخل بمفاهيم الكاتب وغاياته ولكن نحن نريد أن نقول أو نشير إلى ما هو موجود بالرواية. فالكاتب من حيث يدري أو لا يردي هو يُمجد بالعرب والحضارة الإسلامية مع إغفال بعض الحقائق فمثلاً بالنسبة لقارئ مبتدئ أو غير مثقف سوف يفهم هذا القارئ بأن الدولاب هو اختراع عربي إسلامي وهذا من مجريات الحدث بالرغم من إن الدولاب هو اختراع يعود للحضارة السومرية منذ أكثر من 3500 سنة قبل الميلاد. ثم إن الكاتب بطريقة أو بأخرى أغفل كل الأقوام والحضارات الموجودة والتي ما زالت موجودة بشمال القارة الإفريقية ليحصر الحديث عن العرب فقط والإسلام وحيداً في هذه المنطقة. البطل هنا وبهذه الحقبة هو مسلم مع التحفظ من قبله على إسلامه، لا يملك من المبادئ ما يؤهله لأن يكون صاحب نبوة فهو يتبع مصلحته ويرتضي لنفسه أي شيء مقابل البقاء على قيد الحياة. لا أدري إن كانت هذه الصفات تليق بالعنوان وببطل الرواية. وحتى بالحقبة الأندلسية وخلال المعركة تحول إلى لص وسارق وفيما بعد إلى ما يشبه قاطع طريق (ذلك حين قتل التاجر وتخليص مستحقاته منه) وهنا أيضاً السؤال يطرح نفسه . ماذا يمكن أن يصبح شخص كهذا فيما بعد؟ للكاتب الحق في طرح ما يريد ولكن عندما ينشر تُصبح كتاباته ملك الناس جميعاً.
     على العموم لا بد من انتظار اكتمال الأجزاء جميعها للحكم على ما يريد الكاتب توصيله لنا نحن القراء. .
    أرجو أن لا يضيق صدر الكاتب بهذا النقد والنقد أحياناً يحتاج إلى نقد.

    أحمد يحي سوري مقيم في ألمانيا


    إلى الأعلى