728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    زهــْـــرةُ الريـــَــــــاح~ مريم الدبدوبي~

    زهــْـــرةُ الريـــَــــــاح

    على غير العادة استيقظت باكرا ، حتى قبل أن يرن المنبه على الساعة التي حددتها ليلة البارحة .. فتحت عيناي على حدهما بارتياح كبير، يدل على انشراحي حينها ، لمحت هاتفي جانبي فرميته بعيدا عني ، كي لا أنشغل بادماني على تصفح الأخبار اليومية ، فيذهب الوقت هباء ، و بما أن اليوم هو يوم سعيد بالنسبة لي فيجب أن أعيشه دقيقة بدقيقة .
    بسرعة البرق ، وجدت نفسي في المطبخ ، أبحث عن فطوري ، لكن أمي لم تستيقظ هذه المرة لتعده ، فاضطررت لاعداده بنفسي ، رغم أن ذلك جعلني أغضب بعض الشيء ، لكنني لا أريد تعكير صفو مزاجي ، فتجاوزت الأمر بسهولة ، ثم اتجهت لغرفتي مسرعة ..
    لست أدري لما أسرع في كل شيء ، رغم أن لدي الوقت الكافي لأستعد و أجهز نفسي و قد يتبقى لدي بعض الوقت أيضا ، لكنني حقاً كنت متلهفة .. كيف لا وأنا لسنتين لم أذق طعم هذه السعادة ، سنتين و أنا لا أستيقظ الا ظهرا ، و دائما في مزاج خمول متكاسل ، كان كل شيء يمر في حياتي ثقيل للغاية ، و روتين ممل كان يخنقني ..
    وقفت قليلا أمام دولابي أتأمله ، كأنني أراه لأول مرة .. أخمِرتي معلقة عليه بشكل أنيق ، و ألوانها الزاهية في تناغم عجيب ، سحرني ذلك المنظر ، خصوصا أن مزاجي في السماء .. احترت أي لون سأختار ، ما اللون الذي يناسب أول يوم في الدراسة بعد سنتين من الانقطاع .. فوقع اختياري على اللون الوردي الفاتح ، فهو يناسب بشرتي ، كما يضفي علي بعضا من الحيوية و النشاط .. لمدة عشرة دقائق كنت جاهزة تماما ، جلبت هاتفي من منفاه ، لأتفحص الوقت .. لازالت أمامي نصف ساعة ، فاستغللتها في قراءة آخر جزء من رواية كنت قد بدأتها ليلة البارحــة .. ما هذا ؟ .. حقا اني ألتهم الكتب ، و بالتالي سأحتاج للمال في الأيام المقبلة ، كي أنعم بالجديد .. حسنا ، فلأركز في اليوم فقط ..





    منذ مدة طويلة لم أنعم بهذا النسيم الصباحي الرائع .. ان كل شيء حولي يشاركني سعادتي ، حتى الريح يأخذ خماري معه في حركة جميــلة ، أبدو وكأنني أطير .. أتساءل لما حرمت نفسي من هذه النشوة منذ وقت طويــل ..
    لقد وصلت أخيرا للاعدادية ، لست متأكدة هل المسافة بينها و بين البيت قصيرة ، فلم أحس بعناء المشي أبدا .. لكن على الأرجح أن مزاجي هو الذي جعلني أصل بسرعة ..
    توجهت مباشرة لمكتب الحراسة العامة ، وجدت هنــاك امرأة سمراء ، حادة الملامح ، و تقف بطريقة رهيبة ، خصوصا أنها ممتلئة .. لا أنكر أنني فزعت منها قليلا ، لكنني تماسكت و نطقت بصوت خجول : السلام عليكم .. فسرعان ما تحول بصرها ناحيتي ، و انفرجت أساريرها بطريقة عجيبة ، ابتسمت كابتسامة أمي لي ، و قالت مستبشرة : مرحبا مرحبا بتلميذتنا الجديدة .. لم تكمل كلامها حتى كان المدير في المكتب أيضا ، جاء و هو يقول بصوت عال بعض الشيء : مريم أليس كذلك ؟ لقد أتى أبوك قبلك ، كنت منقطعة ، لا بأس ، تشجعي بنيتي ، فالقرار السليم هو الذي اتخذتيه الآن ، أنت في الموقع الصحيح ، و خصوصا أنك في اعدادية محترمة كهذه ، أبشري .. فمن لباسك تبدين فتاة صالحة .. وفقك الله .
    كان المدير شخصا بهي المنظر ، رقيق و طويل ، وسيم بعض الشيء ، و رغم كبره و بياض لحيته الخفيفة ، يبدو كالشاب في ابتسامته ..
    ابتسمت له و اومأت برأسي قليلا ، فالحياء قد نال مني في تلك اللحظات ، ثم توجهت مع الحارسة لقسمي .. ان قلبي يدق بشدة ، سأرى أخيرا الأشخاص و المكان الذي سأمضي فيه هذه السنة بأكملها ، كانت أول حصة سأدرسها في ذلك اليوم هي مادة التربية الاسلامية ، قسمها بجانب المكتب ، فلم أتحمل عناء المشي طويلا ، خصوصا أنني أريد الوصول بسرعة .. طرقت الحارسة الباب برفق و هي تقف مقابلة لي ، و تتفحص لباسي و شكلي بعينيها مبتسمة ، ثم مدت يدها لوزرتي و أغلقت احدى أزرارها برفق ، انها تبدو مسرورة حقا .. فتحت الباب فتاة صغيرة ، لازالت ملامح البراءة و الطفولة واضحة تماما على شكلها و وجهها اللطيف .. وقع بصرها علي ، فتوسعت عيناها بطريقة جعلتني أضحك ، بدت كأنها ترى تمثالا شاهقا .. دفعتني الحارسة برفق ، و أشارت لي كي أدخل لقسمي .. لمحت الأستاذة ، انني أعرفها .. فهي تسكن بالقرب من منزلنا ، زيادة على ذلك أنها كانت تدرس أخي الأكبر ، و كنت أراها كثيرا في المدرسة التي درست فيها من قبل ، في المرحلة الابتدائية .
    ابتسمت و أشارت على مكان فارغ ، كي أجلس فيه ، مضيت نحوه و أنا أسمع همسات أولئك الأطفال : انها جميلة .. لكنها كبيرة .. انظري للباسها .. يبدو انها متعجرفة ، صحيح .. ما هذا البياض كله .
    تضايقت بعض الشيء لسماع تلك الكلمات ، لكن معذورون ، فتلك انطباعاتهم قبل أن يعرفوني ، و من حقهم ذلك .. جلست و بدأ سيل الأسئلة من الأستاذة ، كي تتعرف أكثر علي و تعرفني على زملائي ..
    مضى اليوم الأول في سلام ، لكن شيءا واحدا قد آلمني ، و في نفس الوقت أسرني .. فقد رأيت أصدقائي القدامى ، من أمضيت معهم المرحلة الابتدائية ، و فرح جميعهم بعودتي ، لقد تغيروا كثيـــرا .. و للأســف لن أكون معهم .. 
    دخلت للمنزل في المساء ، أتمايل في مشيتي مفتخرة ، فاصطدمت بوالدي و بدأت أقهقه ، و هتف بفرح مصطنع : مرحبا بالتلميذة المجتهدة .. توقفت قهقهاتي للحظة ، و قبلت رأس أبي .. في تلك اللحظات ، كنت على ثقة تامة أن أبي يحاول اصطناع السعادة أمامي ، كي يبين لي أنه يشاركني فرحي ، لكن بداخله فجوة عميــقة .. فجوة خوف على شمعة بيته الوحيدة ، لا يريدها ان تحترق فيغيب نورها ، و هي تضفي على البيت رونقا خاصا بضحكاتها الطفولية البريئة ، يريدها أن تظل أمام عينيه ، حتى يهبها للشخص الذي يستحقها ، لا يريدها أن تكتشف خبث الناس فتتألم من أذاهم ، و لا أن تصبح مثلهم .. ابتسمت في دفء ، كي أخبره بطريقة غير مباشرة أن لا يخشى شيئا ، فقد أحسن تربيتي ، و سيأتي يوم يقول فيه : أفتخر بك بنيتي ..
    صدقا أنا أعذر أبي ، رغم أنه منعني من اتمام الدراسة في بادئ الأمـر ، و حاول اقناعي بشتى الطرق كي أثبت و أصبر على الجلوس في البيت ، و ذلك أفضل من أدخل ذلك الوسط .. كان يخيل الي أن المدرسة كالجحيم على حسب كلامه .. و يحتج على ذلك بتجربته الدراسية .. كان الجميع يتعجب من تصرفه ، كيف لأب مثقف و ذو مستوى عال في الدراسة ، و موفق في حياته العملية و الاجتماعية ، أن يمنع ابنته من تكملة دراستها ، و تثقيف نفسها .. كنت الوحيدة التي أدركت معنى ذلك .. لذلك لا مجال لدي للومه ، فالآن هدفي الوحيد هو أن أصحح له نظرته ، و سأصبر على كلامه المحبط أحيانا .. لقد عزمت و لن أعجز أبداً .
    أسدل الليل ستاره على الدنيــا ، و أرخيت أهدابي على وسادتي ، مستسلمة لسلطان النوم ، فقد استيقظت باكرا اليوم على غير عادتي .. و الآن سأنام .. سأنام نومة مطمئنة  لم أكن أدري أن بعدها كابوسا في انتظاري ..
    في صباح اليوم التالي ، ذهبت للمدرسة بنفس النشاط و الحيوية ، لقد انسجمت مع الوضع بسرعة ، و زملائي أحبوني بعد أن عرفوني عن قرب ، رغم صغرهم أحببتهم ، و ألفتهم لبراءتهم و طهر نيتهم ، و لسذاجتهم كذلك ..
    كانت زميلاتي ، يحكين لي عن انطباعاتهن عن الأساتذة ، و كذا تصرفاتهم و طباعهم ، و ذلك لأنهم بدأن الدراسة قبلي . و بينما نحن واقفات بجانب باب قسم الفيزياء ، لمحت رجلا آتيا ناحيتنا ، و قبل أن أتفوه بسؤالي ان كان هو أستاذ الفيزياء ، تسابقن ليقلن أنه هو نفسه ، و أردفت احداهن أنه أستاذ مضحك ، و لديه تصرفات غريبة ، لكنه محبوب ، فالحصة لديه ليست مملة كالحصص الأخرى .. و هو الذي سيدرسنا في تلك الساعة .
    أخذت كل واحدة من الفتيات مكانها بجانب صديقتها المفضلة في الفصل ، فاكتفيت أنا بنفسي ، و جلست لوحدي .. انتبه الاستاذ لي ، و قال : هل أنت جديدة هنا ؟ .. أشرت برأسي مبتسمة : "نعم" . ثم قال : عليك الاندماج مع زملائك ، اجلسي بجانب واحدة منهن .. آه صحيح ، ليس هناك مكان فارغ ، حسنا لا بأس .. في المرة المقبلة يجب أن أراك منسجمة معهم .
    اكتفيت بابتسامة مصطنعة ، لست أدري لما أشعر بعدم الارتياح لهذا الأستاذ ، عكس زميلاتي فهن يمدحنه كثيرا . و بينما هو منهمك في شرح الدرس ، كنت أتأمله .. يبدو أنه قد مكث في التعليم طويلا ، أثر الكبر بارزة عليه ، و ربما سنة واحدة تفصله عن التقاعد ، ان لديه قامة طويلة جدا ، و يقوم بحركات مضحكة أحيانا و هو يشرح ، و في عينيه يبدو لي شيء غير واضح ، كالمكر أو ربما الخداع ، لست أدري تماما ، لكنه شيء خبيث حقا .
    استفقت من شرودي عندما رأيته متجها ناحيتي ، اقترب مني ، و وضع يده على كتفي . تضايقت من تلك الحركة ، و أفلتت كتفي من قبضة يده . ثم قال : أجيبي عن السؤال . لحظة ، ما اسمك ؟
    أجبته و أنا أكظم غيظي ، فقد ضايقني اقترابه مني و كذا لمسه لكتفي : مريم .
    -اسم جميل ، هيا أجيبي عن السؤال المكتوب في السبورة .
    -لم أحضر للدروس السابقة ، لذلك أنا لم أفهم تماما ما كنت تقوله .
    -لا بأس ، تابعي فقط ، و ستفهمين كل شيء ، يبدو عليك الذكاء و الفطنة ، علاوة على ذلك أن شرحي بسيط .
    -شكرا أستاذ
    و ربت ثانية على كتفي ، مما زاد من ضيقي .. فأنا لم أعتد على هذا النوع من المعاملات ، و لم يلمسني رجل غريب قبل هذا .
    لكن أظنه يراني ابنته ، لذلك هو يعاملني بلطف ، لا بأس .. فالجميع تعاملهم هكذا . لكن لما لا يفعل نفس الشيء لزميلاتي ، و أنا الكبيرة في هذا القسم . ما معنى هذا ؟؟
    لا لا يجب أن أوقف هذه الأفكار، و أن لا أسيء الظن ، فأنا جديدة لذلك هو يستلطفني كي أندمج بسرعة ، و كي لا أحس بالغربة .
     مر أسبوعان بسرعة لم أشعر بها ، لكن لم أنسى ذلك الموقف ، و ذلك الشيء الذي رأيت في عيني ذلك الأستاذ يقلقني ، و خصوصا أني لم أشعر بالراحة تجاهه ، و بالرغم من أنني رأيته عدة مرات ، و حاول التقرب مني ، كنت أمقته . و أظهر عكس ذلك ، و غالبا هو يظن أنه قد كسب ثقتي ، مما جعله يواصل في التودد الي .
    في الأسبوع الثالث ، أخبرنا أنه يجب علينا الاستعداد لامتحان في الأسبوع المقبل . تحمست كثيرا لأنني سأجتاز امتحانا بعد مدة طويــلة ، و قد افتقدت ذلك النوع من التحدي و المنافسة .
    أتى موعد الامتحان ، كنت مستعدة تماما .. كما أن الأسئلة بسيطة ، أخذت ورقتي ، دون أن أكثرت لأحد آخر ، و انشغلت بالاجابة ، و كان بين الفينة و الأخرى يأتي الأستاذ ليتفقد أين وصلت ، و يسألني ما اذا كنت قد واجهت صعوبة معينة . حاول مساعدتي لكنني رفضت ، فلم أرَ من قبل أستاذ يساعد تلميذه في الامتحان ، و ان كان ذلك فليساعد الجميع ، ما معنى أن يساعدني أنا فقط ؟
    كنت أول من أنهى و سلمه ورقة التحرير ، أخذها و هو يستعظم عملي ، و عندما هممت بالعودة لمكان جلوسي ،  أمسك يدي و أوقفني . ثم استعان بها ليقف من مكانه . أشار للجميع كي ينتبه له ، ثم قال بصوت عالٍ :
    هذه التلميذة لم أرَ مثلها قط ، ذكية جدا .. لديها أسلوب مميز في الاجابة عن الأسئلة . و لعلمكم فهي قد انقطعت عن الدراسة لسنتين ، يبدو أنها ستكون رقما صعبا بالنسبة لكم . خذو العبرة منها ، و هي قد جمعت بين الحجاب و الأناقة و الجمال ، و الفطنة و الذكاء ، كما أنها متفتحة ...
    لم أنتبه لكل ما قاله ، فتركيزي كله كان في يدي التي كانت أسيرة بين قبضة كفه القوية ، حاولت نزعها ، لكنه ضغط عليها حتى آلمني ذلك ، كأنه يقول لي اثبتي يا شقية ، فأنا أعلم أنك تريدين نزعها . 
    أتم كلامه أخيرا ثم أرخى قبضته و حررني من ذلك السجن المقيت ، كي أذهب لمكاني .
    ذهبت للجلوس ، و أنا أتفحص يدي في أسف ، لا زالت تؤلمني .. ان رائحة عطره لازالت عالقة بها . يا الهي سأجن حقا ..
    عدت للبيت ، و اتجهت مسرعـــة لمكان الغسل كي أغسل يدي بالصابون المعطر ، لعله يزيل تلك الرائحة ، رغم أنها جميلة .. لكنني أمقته ، و أمقت أي شيء متعلق به .
    استمر الأمر على هذا الحال ، بدأت أتجاوز الأمر ، فقد بدأت أقتنع أنني ربما قد أسأت الحكم عليه ، و هو لا يقصد أي شيء وراء تلك التصرفات ، أصبح قريبا جدا مني ، و يجلس بجانبي دائما أثناء الحصة ، يمازحني كثيرا ، كما أنه اعتاد أن يظل ماسكا يدي .
    اعتدت على ذلك ، خصوصا بعد أن أخبرنني الفتيات أنه يعامل الأغلبية بنفس الطريقة ، و كثيرات منهن يتضايقن من الأمر ، لكنهن مستسلمات .
    مرت الأيام ، وأنا دائما على رأس قائمة المتفوقين ، حققت نجاحا ساحقا ، و الجميع في الاعدادية يعرفني ، خصوصا أنها مدرسة حديثة البناء ، أي لا يوجد الكثير من التلاميذ و الأساتذة فيها .
    صرت صديقة الجميع ، الأساتذة يمدحونني في غيابي و حضوري .. كنت أرى المدير عابسا ، و هو يحاول تقمس شخصية الصارم أمام التلاميذ ، فكنت اذا مررت بجانبه ، يتجرد منها و يلقي التحية علي مستبشرا ، كأنني شخص مهم في المكــان . لقد فزت باحترام الجميع و كسبت محبتهم . و كان ذلك حافزا لي كي أستمر في طريقي . بالرغم من التحبيط الذي أتعرض له أحيانا من طرف والِدي .
    انتهت الدورة الأولى ، و حزت على المرتبة الأولى على صعيد الاعدادية بأكملها .
    ليست لدي كلمات تعبر عن مدى سعادتي حينها ..
    ثم أخذنا عطلة لمدة أسبوعين .





    انتهت العطلة أخيرا ، و عدنا للدراسة من جديد ، و كلنا نشاط و حماس لبداية دورة أخرى .
    كل يوم كانت أحداث جديدة تضاف لذكرياتي الجميلة ، مشاكسات بين زملائي ، و ضحك كثير ، فأنا لدي حس فكاهي بعض الشيء –كما يقولون- مما جعل لي مكانا خاصا بين زملائي ، فلا تحلو اللمة الا بي .
    و نفس الأمر بالنسبة لأساتذتي ، فتعليقاتي الساخرة أثناء حصصهم الدراسية ، و كذا مشاركتي الدائمة في الجواب على أسئلتهم ، جعلتهم يطردون الملل من القاء الدروس علينا بطريقة روتينية ، فيستبشرون عندما يعرفون أن المستوى الأول رقم -1- سيكون ضمن حصصهم اليومية .
    و كالعادة في يوم الثلاثاء ، لدي حصة الفيزياء .. دخلت للفصل و أنا أضحك بصوت عال رفقة زميلاتي ، أخذنا مكاننا و لا زلنا ندردش و نقهقه .. فأتى الأستاذ ليشاركنا ضحكنا ، دردش معنا قليلا ، ثم اقترب من أذني و همس و هو يضغط على يدي : اشتقت اليك ..
    و كأن أفعى قد لدغتني ، فقد اعتدلت في جلستي حينها و أوقفت الضحك ، نظرت اليه و ابتسمت ابتسامة صفراء مصطنعة . لقد قالها بنبرة شيطانية ، يختلجها نوع من الاحساس الغريب ، لم أشهده من قبل . لقد نطقها بخبث ظـــاهر جدا .
    سرعان ما رميت تلك الهواجس خلفي ، كي لا أعكر صفو مزاجي .. و استمررت في نشاطي ، الى ان دخلت للبيت ، و جلست في غرفتي لوحدي . فقد كاد عقلي يطير حينها ، ما الذي يجري ؟
    الكثير من الأفكار المتضاربة تدور في رأسي و تؤرقني . و منذ ذلك اليوم و أنا لا أنعم بالنوم الهادئ ..
    و في الحصة التي بعدها .. أخرج الذئب أنيابه ،  و أظهر خبثه الحقيقي .
    فبينما نحن جلوس ، و هو كعادته بجانبي ، ماسكا بيدي و يحكي لنا طرائفه و نكته التي غالبا لا تضحكني ، فقط أضحك كي لا أحرجه .. و خصوصا ان كل ما يطمح اليه من خلال تلك الجلسة هي أن يكسب رضاي ، و يرى ضحكتي ..
    أراد أن يحكي لنا طرفة شهدها بصوت منخفض ، كي لا يسمعها غيري و الفتاة التي بجانبي ، فقرب وجهه لوجهي بطريقة جعلتني أختنق بسبب رائحة فمه الكريهة لانه مدخن .. و طبعا اذا اقترب من وجهي فهو يكون قد اقترب من جسمي كذلك ، و بينما هو يحكي .. اذ أحسست بشيء يمشي على صدري ، حولت بصري خلسة نحو مكان شعوري ، فوجدته قد وضع يده عليه و يحركها بطريقة غريبــة .. حاولت نزع يده مرارا ، لكنه أصر على تلك الحركة ، فلم يتبق الا أن أضربه على وجهه كي يتوقف ..
    انه احساس مزعج جدا ، ما الذي سأفعله ؟ .. ان أعصابي تنفذ ، و أفكر في أن أحمل كتبي و أخرج من القسم ، أو أقوم فأضربه .. لكنني وجدت نفسي عاجزة و ضعيفة تماما ، لأنني اذا افتعلت مشكلا حينها ، سيفتضح الأمر و يصل للادارة و بالتالي لوالدي ، و سأضطر حينها غصبا عنـــي لترك الدراسة ، يا الهي أنقذني أرجوك .. كيف سأسلم منه الآن ؟
    و فجأة بحركة عنيفة جذبتني زميلتي التي بجانبي ، و كأنها أرادت أن تهمس في أذني ، لكنها لم تقل شيئا ، لقد ظلت ساكنة على ذلك الوضع ، حتى قام الأستاذ من مكانه ، و خرج من القسم كذلك النائم الذي سكب عليه كأس من الماء البارد ، بدا وكأنه قد استفاق لنفسه مفزوعا ..
    و قبل أن أسأل زميلتي عما تريد قوله .. قالت :
    -لقد لاحظت ذلك ، كما أنك حينها قد غادر الدم وجهك ، و صار أصفرا من شدة تيهك . لا تقلقي ، لم يلاحظ ذلك أحد غيري ، و اطمئني فلن أخبر أحدا عما فعله ذلك التمساح العجوز .
    ظللت أنظر اليها مصدومة ، دموعي على طرف عيناي .. أحسست أن كرامتي سقطت على الأرض و داس عليها ذلك الذئب كما يريد .. أنا أتعرض للتحرش ؟ و ممن ؟ من أستاذ كنت أحترمه .. كان وقع تلك الحادثة علي مؤلم للغاية ، فقد كان يراني سهلة المنال ، هذا لأني كنت لطيفة معه ، و ليس في نيتي شيء غير الاحترام .. لست أدري لما أول ما رأيت أمام عيناي حينها هو والدي .. ترى هل معه حق ؟ ربما ، فهو رجل و يعلم خبث الرجــال .
    عاد الأستاذ للقسم ، و أخذ يتم شرح الدرس ، لم أكن متابعة ، فأنا لم أستطع حتى رفع عيناي كي أنظر اليه .
    أنهى الدرس بسرعة و أتى بجانبي ثانية ، و بدأ في القاء نكته ثانية ، تماسكت أمامه ، و أظهرت أن لا شيء قد حدث .. و لكنه اقترب ثانية مني ، و هذه المرة وضع يده على فخذي و لم يكتفِ بوضعها فقط ، و انمــا أخذ يلمسه بهدوء و بطريقة شهوانية واضحة .
    بدون احساس وجدت نفسي واقفة و كأني أردت أجمع كتبي و أغادر الفصل ، لكنني تداركت الموقف ، فقد تذكرت النتائج المحتملة ، ثم تظاهرت بأني أريد الذهاب للحمام ، فسمح لي بذلك .. ذهبت و انا أحاول ايقاف دموعي ، لكنها عنيدة ، أصرت على النزول رغما عني ، دخلت للحمام و استسلمت لشهقاتي المكتومة ، أردت حينها أن أصرخ ، لكن لا أستطيع ، أحس باختناق شديد .. و أكثر شيء أردته في ذلك الوقت ، هو حضن أبي .. كنت أريد أن أبوح له بكل ما في قلبي ، لما العالم موحش هكذا يا أبي ؟ لما الناس بهذا السوء ؟
    أنا بحجابي هكذا ، أتعرض لتحرش جنسي يا أبي ، لماذا ؟ أرجوك خذني في حضنك و أنقذني من خبث هذا العالم ، انني متعبة جدا .. أريد الهروب بين يديك يا أبتي ، سامحني ، أرجوك .
    عدت للبيت محطمة تماما ، ذهبت مباشرة لأمي ، و وضعت رأسي على كتفها و استسلمت لنوبة بكـاء ، حتى تعالت شهقاتي ، و أخذتني أمي في حضنها .. و بعدما أخبرتها بالذي جرى ، بكت هي الأخرى .. و كل تفكيرنا في والدي ..
    لقد كان ذلك قاس جدا علي ، أردت أن أهرب من العالم في تلك الأيام ، فقد اعتزلت الجميع ، و بت أرى أن كل تلك الأحلام الوردية التي خططتها في مخيلتي و هدفي السامي الذي كنت أطمح اليه ، ظلام دامس ، و الذئاب من حوله يلفون بمكر ..
    كنت أنظر لنفسي في المرآة و ألعن جمــالي ، فقد طمع الكثير فيه ، و جعلوني أداة للتسلية ، يدعون أنني ابنتهم و أختهم و صديقتهم ، و لكنهم في حقيقة الأمر ، لا يريدون الا مصالحهم ..
     اني أريد الهروب من الدنيـــا ، و أكثر ما يعذبني ، هو ابتسامة أبي لي و كأنه يريد أن يتفقد أخباري .. لكني لا أكمل حتى نظرتي اليه ، و كأنني أخبره أن شمعتك احترقت يا أبي ، سامحنـــي ..
    و في أحد الأيام ، كنت أتأمل في أسى منظر زهرة وسط الأشــواك ، جميلة جدا ، و الرياح تأخذها يمينا و شمالا ، فتصطدم بالأشواك التي بجانبها .. لست أدري لما سقطت دموعي حينها ، فقد كنت أراها أنا .. و كانت تبدو لي كأنها تبكي و تستنجد ، فقطفتها و أخذتها في اناء به ماء في غرفتي ، فذلك أهون من الأشواك و الرياح التي كانت وسطها ..
    و بعدهــا أدركت أن ذلك ما يتوجب علي فعله لنفسي ، لذلك سميتها : زهــرة الريــاح .

    انتهى ..



    فيسبوك الكاتبة: مريم الدبدوبي









    إلى الأعلى