كانت مفاجأة مؤلمة حينما اقتربت من المنزل ووجدته قد غير من بعض ملامحه. هناك من يجده قدأصلح وتزين، وأنا وجدته قد أصبح قبيحا، أضيفت إليه بعض المرافق الجديدة وأزيحت عنه أخرى بالية. نعم لقد كان بيتا متواضعا لكنه جميلا ودافئا مثقل بالذكريات التي تؤثث كل ركن من أمكنته...على الحائط الخارجي كانت تتدلى شجرة البطم الشامخة بفروعها الضخمة حيث كان يحلو لليمام أن يبني أعشاشه في الأعالي الشاهقة. شجرة البطم لا أحد كان قادرا على تحديد سنها، بما فيهم جدي، لقد وجدت هناك منذ الأزل...وبالرغم من شموخها فقد كانت سهلة وحنونة كأحضان جدّة عجوز، كانت بمثابة مصعد لي، أتسلقها برشاقة نسناس مشاكس كلما كان الباب الخارجي مقفل. منها أرتمي إلى السطح وبعدها أدخل إلى البيت عبر ثقب كان الوالد قد تركه لكي يجعل منه نافذة. عند كل سوق كان يأخذ القياسات الدقيقة لكي يشتري الشباك والنوافذ...الرجاء الذي لم يتحقق حتى بعد مرور السنين الطوال حتى أصبح الثقب/النافذة مكون أساسي من مكونات البيت.
اقتلعت شجرة البطم بجرة منشار لئيم، ولم تشفع لها كل تلك السنين وهدم الحائط الخارجي بضربة معول خبيث، وكسر الباب المؤدي إلى الساحة الخلفية بضربة فأس لعين. هذا الباب الذي كان يشبه أبواب صالوووون الويستيرن، يزعق في كل مرة يفتح فيها...ولأنه كان لا يصل إلى الأرض تاركا فتحة صغيرة، كقط كنت أمر منها في الحالات الحرجة مثلا عندما ينقض علي الوالد لتأدية واجبه التربوي وما أكثر هذه الحالات. فأنسل من تحته بسلاسة سحلية تاركا الوالد خائبا وحائرا في فتح الباب!!
كما هدم السور الشمالي المجانب لعرصة الدار المليئة بأشجار الرمان والمشمش والتوت...كان ركن ذلك السور مكانا واسعا شيئا ما ومنزو عن الأنظار، لا يصل إليه إلا العارفون بخبايا المكان وذوي الأجساد النحيفة. مكان مناسب لكل أعمالي الشيطانية التي تتطلب العتمة والسرية، ففيه مثلا تناوبت مع بعض الأقران على عجيزة بوشتى المكتنزة بشكل دوري. وفيه أكلنا الدجاج الذي كنا نصطاده على أطراف المنزل ونفتري على الثعلب كونه الوحيد الذي يمكنه القيام بهذه الأعمال الشنيعة، والثعلب أرحم عليهن منا. وعبره كذلك أمُر خلسة، في غفلة من الوالد، عندما أريد الذهاب للسباحة في النهر. وفيه حفرت الكثير من الحفر لكي أخبئ لُعبي الممنوعة كالجباد والصنارة والطرومبية والزيزوار والسكين البتار...
لقد هدموا الذاكرة فأصبح المنزل أخرس، لا يحمل أي معنى ولا أية ذكرى شبيه بالمنازل الأخرى، له فقط جدران وبيوت وباب وبهو...يستقبلك ببرودة قبر لتبيت تحت سقفه/لحده ثم ترحل في الغد باكرا!
