728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أوراق مبعثرة فوق سرير "الموت" (الورقة الأولى) ~ عبد الوهاب أوذاير~


     بداية البوح أم نهاية الصمت

    أعرف أنك لم تسمعي بخبر موتي الوشيك، ولم تقرئي عنه في صفحات الجرائد التي لا تهتم أصلا لأخبار التافهين أمثالي، ولم تشاهدي مقدمة الأخبار ببذلتها الأنيقة وصدرها العاري تذيعه على شاشة التلفاز، وأعرف أنه بعد موتي لن أُذْكَرَ كما لم يُذْكَرْ العديد من موتى هذا البلد، ولم تحصل عائلاتهم وأسرهم على فرصة طبع آخر قبلة على جباههم الطاهرة، فبعضهم صاروا لقمة سائغة في فم الأسماك المفترسة وهم يحاولون الهرب من "جنة الجحيم" إلى جنة النعيم التي لم يتذوقوا أيا من ثمارها هنا بل رأوها فقط متدلية بعيونهم المغرورقة بدموع الحرمان. وآخرون ماتوا مقبورين في "أقباء" المناجم وهم ينتزعون باستبسال قطعة خبز جافة من فم الكلاب الجائعة، وآخرون نهشت الوحوش الضارية أجسادهم وهم يذودون عن شرف الأرض وعرضها....
    عادٍ أن لا يذكرني أحد بعد موتي كهؤلاء، ما دمتُ مجرد رقم بلا قيمة، لكن ليس عاديا أن ألاقي نكرانا وإجحافا منك، لذا ودرءاً لكل نسيان قد يصيب ذاكرتك، قررت أن أكسر قيود الصمت المطبق على شفتي منذ شهور وأعوام، وأطلق العنان لكلماتي وأحرفي، وأضع حدا لهذا الصراع الذي يمور داخلي ويقضّ مضجعي وكأنه شوكة تغص في حلقي وتعقد لساني، قررت أن أواجه الكتمان الذي اضطررت أن أفترشه وأنام فوقه رغم أنه لم يكن سوى سكاكين تغرز في جسدي كل ليلة تاركة ندوبا غائرة فيه، نعم سأجابه الكتمان بسلاح البوح الفتاك، سأكتب حتى يجف ينبوع الكلمات، وتعلن الكتابة إفلاسها واندحارها، آنذاك سأموت وقد تركت لك  ورائي أوراقا بالتأكيد لن تكون عادية، أوراق طبعت بحبر دمي القاني..
    ..ها قد أعلنت معركة البوح عن بدايتها...
    " أنا المستلقي على سرير الموت الوشيك، أرى الرغبات تسقط أمامي تباعا، أرى الأحلام تُحْملُ على المحفات وهي مدثرة بدثار أسود حالك إلى مثواها الأخير، لم تعد فرائصي ترتعد من رؤية مشاهد الموت، لم أعد أهابه كما كنت من قبل، ربما اكتسبت مناعة قوية تجاهه، لا أدري؟؟...
     أحمل قلمي بين يدي ومفكرة من الحجم الكبير لكي تسع صفحاتها لكل هذا السيل الجارف من الأفكار التي تجمعت داخل العقل...ها أنا سأكتب لك وعنك، سأكتب لك لأشتكي قسوة الحياة وجبروت الواقع.. وأكتب عنك لأوثق كل اللحظات التي عشتها في كنفك، وكل الأوقات التي عشناها معا أو عشتِها معي في خيالي فقط أو التي كنا مقبلين على عيشها قبل أن ينسفها الفراق.."...
    إلى الأعلى