728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوما ما سأعود ~ ياسين كاوي ~

     

    الحياة تتطلب منا كمية كبيرة من الصبر و الايمان بالله تعالى، مهما تكَاثروا علينا الأزمات و العقبات، يوما ما سنعانق ذلك الشيء الذي نريده في هذه الدنيا.  في هذه الحياة  كل واحد منا يريد أن يكون سعيد في حياته، و يحقق  أهدافه من أجل أن يسعد  أمه و أبيه و نفسه،  ولكن أحيانا يصدمنا واقع مرير  فليس كل شيء نريده نحققه، و هذا لا يعني بأن نستسلم، لكن يجب علينا أن نراجع أنفسنا و نراجع علاقتنا مع الله.
     هذا الصبر لم يكن عند سمير أو ربما تأخر كثيرا هدفه أو حلمه، رغم أنه عانى من أجل أن يَحْضَى بعيش كريم في هذه الدولة التي لا تعترف بالفقراء، الدولة التي فرطت في مجموعة من الشباب النوابغ ذوي العقول النيِّرة الذين يمكن أن تعتمد عليهما  في تكوين جيل قادر على إعطاء أكثر ما لديهم من أجل وطنهم، ولكن بهذه السياسة التي يمارسونها جنود الخفاء الذين يسيِّرون هذه الدولة، ليس من هدفهم أن يكون الشَّاب المغربي واعي، وهذه القوة الخفية هي التي جعلت من الشَّاب المغربي كئيبا يعاني من توتر نفسي وعاطفي وقلق وغربة  تجاه بلده  الحرمان والقهرالذي يتعرض له يوميا ، و أصبحنا نسمع كل يوم بانتحار شخص أو شخصين أو أكثر ، وأظن بأن الاشخاص الذين يموتون بسبب الانتحار في هذه الدولة ،أكثر من الذين يموتون في فلسطين ،و نحن لا نطلب شيئا  من هذه .الدولة سوى حقوقنا المشروعة
    وبعد وفاة والده لم يعد ذلك الشخص المتحمس للحياة، فقد قوته  وآماله،  لأنه عندما كان طالبا كان يشجعه والده على مواصلة الدراسة حتى يتسنى له الحصول على وظيفة محترمة، و يرفع من شأن أبيه و يبين له أن كل ما قدمه له سواء من دعم مادي أو معنوي لم يذهب في مهب الريح، كل شيء كان يفعله سمير فقط من أجل أن يرى والده فخور به كثيرا، لكن عند وفاته  و تركه لهذا العالم، أصبحت حياته مملوءة بالأحزان و ترك كل أحلامه و أهدافه.
    وفي تلك الفترة الصٌعبة التي مر بها لم تفارقه صديقته المفضلة التي تشجعه، على أن لا يستسلم و أن يقاتل من أجل أهدافه و أحلامه و يتغلَّب على آلامه. كانت شيماء مقربة له لدرجة أن جل أصدقائهم في الكلية كانوا يعتقدون بوجود علاقة عاطفية بينهم و أنه يوجد شيء أخر أكثر من الصداقة من شدة انسجامهم و تفاهمهم مع بعضهم ،  هي أستاذة اللغة العربية حصلت على عمل مباشرة بعد حصولها على شهادة الإجازة، و هي فتاة ذكية و طموحة، فعندما فقد سمير لذٌة الحياة في هذا الوطن، و بعد العديد من المحاولات للعثور على عمل لكن بدون جدوى، و كيف لفقير مثله أن تمنحه هذه الدولة منصب رغم توفره على شهادة الاجازة. ؟هذه الدولة التعيسة تمنح مناصب فقط لأصحاب الطبقة ألبورجوازية، أما أبناء الشعب يعتبرون  كلاجئين في هذا البلد.
    بعد العديد من المحاولات التي لم تجدي بالنفع أصبح تراوده فكرة الهجرة إلى أوروبا، كان لديه مجموعة من الأصدقاء حتى هم كان لديهم هذا الهاجس، و عندما عرض عليهم هذه الفكرة شجعوه و أيدوا فكرته،و أصبح يفكر في هذا الموضوع يوميا لكن المشكلة التي شكلت عائق بالنسبة له هي مشكلة المال ،هو يعرف أن هذه المشكلة لا يستطيع أن يحلها أحد فقط صديقته هي التي بمقدورها أن تقبل طلبه،تردد كثيرا و أحس بالخجل ليطلب من الفتاة المال، لكن عندما يكون أمامنا هدف سنطلب المساعدة حتى من عدونا من أجل بلوغه.
    اتصل بصديقته المجنونة دائما يقول لها يا مجنونتي, و استجمع قواه و رتب أفكاره….
    ---  السلام عليكم  يا صديقتي المشاكسة.
    ---  و عليكم السلام يا مجنوني.
    --- شيماء أريد أن أطلب منك شيئا،  لكن هذه المرة شيء مختلف، شيء قد يفتح لي أبواب الخير و أبني ذلك العالم الخاص بي. أريد الهجرة إلى أوروبا، أريد ترك هذا ألوطن لكن أحتاج لبعض المال حتى أستكمل الثمن المطلوب، سيبدو لك كلامي غريبا و تقولين هل جننت؟ لكن يا رفيقتي لقد سئمت  من هذا البلد
    ---   ما هذا الهراء؟ ماذا ستفعل هناك؟ ليس لديك أحد هناك،و هل لديك القوة الكافية لتعيش وحيدا و غريبا هناك؟ و من يضمن لك أنه ستصل سالما؟
     --- قد يبدو لك هذا هراء، لكن أنت تعرفين أنني أعيش هنا في و طني و مع أناس يتكلمون نفس اللغة ولكن أحس بأنني غريبا بينهم،أحس بأنني غريب حقا. لقد فقدت أمي عندما كنت صغيرا حتى أني لم أرى ابتسامتها، رغم ذلك أبي كان يعوض مكان أمي بعض المرات بعد ذلك فقدت أبي عندما كنت أحتاج إليه. و الان من بقي لي هنا؟
    ---  و أنا يا سمير؟ لم تسألني يوما ما أريد؟ ماذا أتمنى؟ كعادتك دائما تفكر فقط في أمنياتك و أحلامك، كل صباح عندما أستيقظ أفرح عندما ترسل لي رسالة، أشعر بأن هناك صديق يهتم بي، دائما أدعوا في سجودي أن تضل بجانبي يا صديقي المشاكس، هل تتذكر عندما كنا ندرس في الجامعة و رأيتني أتكلم مع شاب؟حينئذ أحسست بغيرة شديدة تخترق قلبك الطيب يا سمير و لم تكلمي لعدة أيام،فقط هذا العقاب كان كافي من أجل أن أتجنب الحديث مع أي شخص مرة أخرى بالرغم من أنك فقط صديق. أحسست حينها بأنني أستحق هذا العقاب، و في نفس الوقت كنت سعيدة لأني أملك جوهرة بين يدي. لكن إذا أعطيت لك هذا المبلغ سأفقد هذه الجوهرة و أكون وحيدة و أفقد صندوق أسراري و سعادتي و أحزاني.
    عندما أصر على ألرحيل منحته ذلك المبلغ المطلوب و عبر عن شكره لها و إخلاصه لها، و نظر إلى عينيها و قال لها مودعا                       
    ---  إلى اللقاء يا صديقتي،أرجوا أن لا تحزني فأنت تبدين جميلة عندما تبتسمين،أعرف أنه من الصعب عليك تحمل هذا القرار المفاجئ لكن إنني أثق فيك بأنك ستتقبلينه لأنه يتعلق الامر بمستقبلي. يوما ما سأعود و  إ ن لم أعد اريد منك أن تبتسمين دائما للحياة، و لا أريد منك أن تبقي هكذا وحيدة بدون رفيق و لا حبيب،  لان فتاة مثلك أي شخص سيتمناها. لقد كنت وفية لي طول السنين و لازلت أتذكر ذلك الوعد الذي و عدتني به، بأن نكون أصدقاء و لن تكون لك أي علاقة عاطفية مع أي شخص، ستكونين وفية لفارس أحلامك فقط اختاري الشخص المناسب،و أنا أول من سيكون فخور بك يا صديقتي.
    ترك صديقته و في قلبها حزن كاد يخنقها، كتمت في دخلها ذلك الالم الذي في داخلها،  أحست بأنها كسفينة وسط البحر وهي لا تعرف القيادة، هو لم يسألها إذا كانت مغرمة أو تحب أحداً ما ،كان غبي لدرجة أنه ترك وراءه أيقونة و جوهرة لم يعرف قيمتها. الان هو اختار عالما جديدا و لا يعرف المصير الذي سيلقاه هناك.
    بعد المعانات التي عاناها في الطريق و صل إلى تلك الارض التي كان يعتقد بأنها الجنة الموعودة و أنه سيحقق أحلامه ببساطة ،لكن سرعان ما غير رأيه. عندما تكون في الغربة و ليس لديك أي قريب أول إحساس تشعر به هي الوحدة.بات ينتقل من مكان إلى مكان مرة يعمل هنا و مرة هناك حتى يوفر لقمة عيش، تعرف على بعض المغاربة هناك قدموا له بعض المساعدة و أصبح يتقاسم معهم غرفة النوم، عندما يخرج للعمل و يرى الشرطة يظن أنه سيكشفون أمره بأنه شخص غير قانوني و لا يحمل أوراق الاقامة و سيتم طرده، وبالرغم من كل المعانات التي يمرّ بها إلاّ أنه لم ينسى وطنه و ثرثرة صديقته و محضراتها. قضى خمسة أشهر كل ثانية تأتيه صورة شيماء أمام عينيه.
    هذه المسافة البعيدة لم تمنعه من التفكير في صديقته التي كانت سبباً كافياًليحس بأنه غريب وسط الغرباء في وطن ليس بموطنه ، فقد أحسَّ بالندم لتركه لها وهي كانت سنده الوحيد في هذه الحياة، تقف معه في أوقات حزنه و سعادته بعد فقدانه لوالديه.. شعر بأنه يحب صديقته وقرر أن يتصل بها. و عندما أتصل بها تبادلوا الكلام و عبروا عن اشتياقهم لبعضهم. و قال لها بدون أن يشعر:
    ---   صديقتي العزيزة ربما يكون أخر يوم أنطق بكلمة صديقتي، لقد غيرت النبض يا شيماء، لأنها أَصبحَتْ سريعة جدا. وقبل أن أقول لك هذه الكلمات إذا كنت غير موافقة فقط قولي لي اِبْقَ هناك،  ليس لي أحد هناك سواك، انت التي كنت تنورين لي ذلك البلد التعيس، إذا كنت موافقة قل لي عد بسرعة يا سمير لقد اشتقت لك ،لكن يجب أن تعرفي قبل أن أقول لك هذه الكلمات الجريئة بأني قضيت أيام ارتب مشاعري، و أفكر فيك و في أيامنا التي قضيناها معاً. فتحت دفتري و كتبت كل شيء سأعترف به بدون أي خطأ،  حفظت كل كلمة كتبتها على الورقة كتلميذ أمرته المعلمة بأن يحفظ نصا ما و تقول له حسن جدا و يَصْفِقُونَ له التلاميذ،  لكن يا صديقتي أنا في هذا البلد لن يصفق لي أحد و لن أرى ردة فعلك. هل تعرفين عندما تركت البلد لا يمر يوم أو ساعة  دون أن أفكر فيك حتى فوق وسادتي التي تحمل في داخلها الذكريات الجميلة التي ترسوا الان في الغربة،  كنت أعتبرك صديقة و لكن الان أصبحت أكثر من صديقة لان عرفت معنى المسافة،  المسافة التي تجعل الانسان بعرف مكانة كل شخص و أهميته،؟  لان نبضات قلبي تقول بأنك حبيبة روحي،  أنت كنت تنورين طريقي دائما هناك،  و الان أصبح اسمك أردده في أحلامي و أصبحت حور عين تسبح في أوردتي و قلبي و كل جزء من جسمي. أريد أن تكوني ملكي أن تكوني تلك القطة المشاكسة التي تخدش قلبي بحبها و حنانها و أخيرا أستطيع أن أقولها و لن أندم على قول هذه الكلمة شيماء أنني أحبك. إذا كنت تريدين أن أكون بجانبك قل لي عد إلى وطنك الذي هو صدرك الحنين إذ كنت لا تريدين قل لي بأن اِبْقَ هنا. إذا عدت سأعود فقط من أجلك.
    أَحسَتْ برعشة في قلبها و في جميع أجزاء جسمها وقفت بدون أن تنطق بأي كلمة،  هل عليها أن تفرح, ؟ لم تتوقع بأن يعترف؟ كانت تضن بأنه لا يهتم بها فيما يتعلق بالعلاقات العاطفية،   كانت تضن بان قلبه قاس مثل الفولاذ أو أكثر و أقفلت عليه الخط. اعتقدَ بأن بهذا التصرف تقول له اِبْق هناك فلا وطن لك هنا ،  لكن في الحقيقة هي لم تكن لديها القدرة على المواجهة و لم تكن مستعدة و ليس ليدها الكلمات المناسبة التي تناسب هذه ألمفاجأة،   لذلك أرسلت له رسالة و قالت له:
    " اِحْزِمْ أمتعتك بسرعة فأنا أنتظرك بفارغ الصبر يا مجنوني ،  لاني لم أعد لدي القدرة الكافية على ابتلاع المزيد من الحزن،  اريدك بجانبي"
    رد عليها :
    " كم أتمنى أن أعيش تلك اللحظة معك و أذوب بين يديك كقطعة ثلج،   آآآآه يا مجنونتي كيف اخترقتني أنوثتك كسهم قاتل ،  سأجمع أغراضي بسرعة و أتي مسرعا إليك و أرمي بجسدي في حضنك مسلما نفسي لك "
    عندما تلقى منها إشارة العودة،  لم يفكر كثيرا و لم يلتفت ورائه،  حمل حقيبته و عاد إلى المكان الذي ولد فيه،  الارض التي لعب فيها و ترعرع فيها.  عندما وصل أثناء الطريق راودته بعض الاشكاليات و الاسئلة المعقدة،   كيف سيستقبلها؟ كيف سيكون ذلك اللقاء.؟ هي الان حبيبته،   و هذا اللقاء الاول بينهم حيث يحضر فيه الحب هل سيعانقها و يرمي بحسده في حضنها ؟أم سيكتفي فقط بالتحية؟. و صل إلى منزله المهجور،  لم تستقبله سوى الفئران و الحشرات.  دخل و جلس على أريكة قديمة ،  و صاح يتكلم مع الجدران. كيف سيكون  هذا اللقاء مع معذبته ويتمتم وحدة كمجنون حتى غلبه النوم ،  عندما استيقظ في الصباح ذهب لشراء بعض الأغراض لتنظيف المنزل و بعض الخضروات... و عندما عاد اتصل بشيماء و قال لها بأنه في المنزل و سيكون في انتظارها،   قام بتنظيف المنزل من الغبار و غسل الاطباق المتسخة. وأخيرا وصلت شيماء و ها هي واقفة أمامه ،  أما سمير فقد ظلٌ جامداً واقفاً كجندي  منتصبا بدون حراك رأى رئيسه وينتظر أن  يلقي التحية عليه،   ها هو العاشق المجنون واقفا أمام تلك الزهرة المتلألئة،  لم يتمالك نفسه عانقها كشخص لم يَرَى زوجته لمدة طويلة. استمر ذلك الحضن لمدة خمس دقائق و دون أن ينطق بأي كلمة،   هذا الحضن الذي يعبر أفضل من ألف كلمة قد يقولها،   داعب قليلا شعرها المبعثر و همس في أذنها و قال لها:
    ---  ها أنا يا صغيرتي في عالمك كلاجئ هل يمكن لي أن أحصل على أوراق الاقامة لمدة لا تنتهي؟
    ردت عليه قائلة:
    ---  مرحبا بك. سأمنحك تأشيرة الدخول لعالمي ولكن لا تتمرد على قوانيني.
    ---  هل تعرفين لماذا نحن نصبر كثيرا في هذه الدولة؟ لان هناك بعض الاشخاص نحبهم و يحبوننا،   هؤلاء الناس ينسونا ألم و ظلم هذا البلد، و هذا النوع من الناس الذين  يمسكون بأيدينا عندما نقع و يتعاطفون معنا عندما نكون في مصيبة  من أجلهم نبقى. عدت من أجلك, لنعبر في شوارع الحياة ، حبك يا شيماء به أنسى مصائب التي أعيشها،  جَلَسُوا يتحدثون على الاشياء التي فعلوا في فترة فراقهم و حكى لها عن المعانات التي عاش في الغربة.
    بعد مرور سنتين على علاقتهما قضوا أجمل أيام حياتهم بعدها حصل سمير على وظيفة مكنته أن يوفر لقمة عيش،  و تكون حياته متوازنة  عندما وفر بعض المال، و في إحدى ليالي اتصل بشيماء و قال لها:
    ---   هل تقبلين أن تتزوجين بهذا اللاجئ.؟ هل يوجد يا سيدتي قانون من تلك القوانين التي لديك يسمح بلاجئ ان يتزوج؟
    ردت عليه:
    ---   يوجد بالطبع يا مجنوني إنه قانون الحب، بدونك لا معنى لعالمي.
    تزوجوا و استمرت حياتهم،  ففي كل يوم حبهم يكبر و يزيد كأنهم تعرفوا لأول مرة،  عندما أصبح يتقاضى راتب يكفيه بأن يعيش هو و زوجته حياة مستقرة و متوازنة،  طلب منها أن تترك العمل و أن تهتم بالبيت أفضل بدون أي جدال أو سؤال و وافقت بكل سرور.  في قصص الحب يجب على الانسان أن سيكون صبورا و يحاول أن يتقاسم لحظات الحزن و السعادة مع شريك حياته، و  يجب على العشاق أن ينتزعوا تلك الاقنعة  على وجوههم و  يصارحون بعضهم البعض . عندما يتخلص الانسان من كل هذه الاقنعة و يصارح ذلك الشخص الذي يحبه،  حينئذ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺟﺪًﺍ ﺃﻥ ﻳﺸﻌﺮ ﺍﻟﺸﺨﺺ بذلك الحب المنبثق من أعماق القلب بدو ن أي تزييف للحقائق.

        بقلم: ياسين كاوي                         لتواصل مع الكاتب عبر الفايسبوك 
    إلى الأعلى