و أنا أجوب شوارع المدينة لفتَ انتبَاهي كثرَة الأوراق
الصغيرة المتواجدة هنا هناك . على الأرض، على الجدران، حتى أعمدة الكهرباء لم
تَسلَم منهم . أخذُت ورقة فإذا بها جَرَّار و أخرى بها مصباح وثالثة بها سنبلة،
كنت أعلم أنها شعارات كاذبة، فدائما ما كان والدي يقول أن لا خير في حزب يُشغل
مصباحه في موسم الانتخابات و يطفئه بعده . و لا خير في سنبلة نرى قمحها في أشهر
الحملة الانتخابية و تتحول إلى شوكة بعد ذلك . لذا كنت كلَّما حلّت تلك الأشهر
اللعينة التي يبدأ فيها استحمار الشعب و اللعب على عواطفه و مغازلة مطالبه بأيادي
خشنة، لا أخلُص من سماع قصة أبي ذر على لسان أبي، سأحكيها لكم كما يحكيها لي كي لا
تغْترُّوا بشعاراتهم الرَّنانة و لحاهُم الطويلة و تأسلمهم الزَّائف . كان رجلاً
عابدًا لله كارهًا للأصنام قبل الإسلام وأتمَّ إيمانه مع بعثة محمد، اسمه جنذُب
لكنه لُقب بأبي ذر الغفاري نسبة لغفَّار قريته، كان أبو ذر أشجع من الشجاعة وهو
ممن جهروا بإسلامهم في مكة و كان رسول الله يُكِنُّ له محبَّة خاصَّة فقال عنه
يوما " ما أظَلَّت الخَضْراء ولا أقَلَّت الغَبراء أصدق من أبي ذرّ" و
" رحم الله أبا ذرٍّ يمشي وحده و يموت وحده و يُبعث وحده" . هذا إن
دّلَّ على شيء فإنَّما على أن لهذا الرجل شيئًا يتميز به عن الآخرين ، هذا الشيء
هو زهده و تواضعه، كان لا هم في
هذه الدنيا سوى الله و الإنسان فَنَصَبَ نفسه مدافعًا عن الفقراء و المستعبدين حتى
لُقِّب بـ (محامي الفقراء) . كان من وصاياه لعبد الله بن الصامت أن يحب المساكين و
يَدنُوَ منهم، ولا يخاف في الله لومة لائم، فقد كان أبو ذر متمرِّدًا لا يرضى
العبودية لنفسه ولا للمسلمين إنَّه حقًا كان يمثل الشعب ليس كسياسيينا هؤلاء الذين
لم يمثِّلوا الشعب يومًا بل شربوا دمه فقط ... كان لا يخشى قول الحق في إمامٍ و هذا
تسبب بغضب عثمان بن العفان عليه، فأخرجه من المدينة مكرهًا لا كما يروج البعض أنه
خرج وحده دون إكراه . توجَّه أبو ذر للشام فكان كل صباح يجمع الناس حوله ليعلمهم
معنى الحرية، معنى أن يكون الإنسان حُراً . فَيريهم حقوقهم و ينبِّههم إلى تجاوزات
معاوية (الذي كان واليًا على الشام ذاك الوقت) وإجرامه في حقِّهم و هذا سبَّب له مشاكل كثيرة
مع معاوية، فأخذ يكيد له حتى طلبه عثمان فعاد من جديد إلى المدينة ودخل على عثمان
. قال له عثمان : لا قرَّب الله عمرو علينا . فردّ أبو ذر : و الله ما سمَّاني أبَواَي
عمرو، لكن لا قَرَّب الله من عصاهُ و خلف أمره و ركب هواه ، هذا الكلام جعل كعب
الأحبار يزدريه و يقول له : أ لا تتّقي الله تجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام .
فرفع أبو ذر عصَاه و ضرب بها رأس كعب الأحيار .... هكذا كان أبو ذر يعامل الحكام
كان يَهُشُّمهم بِعَصاه .. هكذا كان أبو ذر و هكذا عاش حياته، عاش من أجل
المظلومين و الفقراء، حَمَل فوق عاتقه رسالة ربَّانية أوَّلها وأخرها الإنسان فكان يقول : إذا سافر الفقر إلى
مكان مَا قال للكفر خذني معك ... وكذا من أقواله "عجبت لمن لا يجد القوت في
بيته كيف لا يخرج شاهرًا سيفه على الناس" . أبو ذر لم يكن يُحرِّض على العنف
لكنه كان رجلاً يكره الفقر و الذل .. أمضى حياته محبوبًا من الفقراء و المظلومين و
منبوذًا من الحكام و المتملِّقين ... هذه هي قصة أبي ذر التي كلَّما حل شهر
الأوراق المترامية على الأراضي حكاها لي أبي كي أقول "قدَّس الله روحك يا أبا
ذَرٍّ"
فيسبوك الكاتب : أسامة بوكرين

