قراء في
نص الكاتبة فاطمة الزهراء صلاح
المنشور
على جدارها في الفايسبوك. يوم 11 / 07 / 2015
حين تقتحم هذا النص، فأول
ما يثيرك فيه هو حكاية معاناة شخوصها من ألم الوجود والهوية في ظل آلهة منفية
قسرا. وللوهلة الأولى تجد نفسك مهيأ لقبول إملاءات التموقع في متن خرائط الوجع
وتضاريس الخوف الرهيب الموغل بشدة في المكان السردي/ الجسد... وأنت ممعن في
القراءة بين أرصفة منافي الشمال/باريس والقبريات المؤجلة في الجنوب/الرباط، تبدأ
أحاسيسك في التفاعل مع خرائط النص وتتهاوى تباعا تفاصيل وحشة المكان المكتوف وتكف
دوائر الصمت داخلك عن الصمت الموجع وتغادر حنجرتك كالكلمات تمتمات خافتة تلو
تمتمات. هنا يتوغل بك النص في الإشارات المغتالة تلو الإشارات والآهات المكتومة لك
على مهل تتنادى فيضا من كلام لم يكتب تتلقفه عيناك في عواصف وجع ليس كالوجع
المألوف، وتقلك رياح كل الأزمنة البئيسة المترسبة كمرفأ خوف قديم في غور ذاكرة
الحب السليب برفات الشوق والحنين، ويبقى الكلام المحاصر حبيس الكلام المتاح...
أنت من حملة وشوشة الهم
الإنساني ومعتنقي القيم الإنسانية الكونية المشبعة بنيترونات حب الحرية بل أنت
جنوبي في كل شيء، لا تملك القدرة بتاتا سوى التعاطف الفعلي حد التماهي مع شخوص
النص كل بمكياله من الحمولة السيمانتيكية العامة. وتكون لك في النص فرصة غصة تقمص
عناصر الوجع المفرط في حنايا جغرافية القلب المستبد بكل زوايا أرض الجنوب والمخطوط
عنوة في تمائم هويتها المرغمة على التنكر لها...
أنت هنا وهناك، يرغمك تمغنط
النص على الوجع أن تميط اللثام وتقف عاري الوجه مبهم القسمات في مهب ريح قادمة من
فضاءات الوطن المسيجة بالتخلف والجهل. وحين تتكالب صور حبات رمل الحب أمام عينيك
المكشوفتين، تتذكر أن الوجع منثور كالهواء في كل أرجاء الوطن المكتوب خاصة وأنك
الآن بصدد حالة بوح سردي دافق حين عز الكلام زمن تكلس المحابر، لجم الألسنة، عزوف
اليراع وتسلط النفس الأمارة بالخير. هنا في هذا النص، تتكلم الكاتبة المنهكة من
الحياة التي لا تشبه الحياة وهنا يصمت القارئ ويسترسل الوطن القلب في الشهادة
والكاتبة في الحكي وتكون الحياة فقط لإبنتها والنصر للنص على طغاة الفراق.
موجع هو الكلام المتكدس ملء
الحناجر حين يأسرك مرغما صمت مرعب كسكينة المقابر لا تعكره إلا صفارة إنذار،
وتستسلم مطلقا لهمة المكان وجبروته. مرعب حقا أن تصمت إلى الأبد. قلعة الصمت تقتلع
منك اللسان، تشعر بالبرد لمكاشفتك الصريحة القديمة ويلزمك الطغيان وثير أفرشة
التقاعس وخذلان حالات الإستنهاض الملغومة في النص السردي للتملي مليا في استحالة
زوال الوجع من الجنوب المنبعج من استثناءات الألم والأمومة، القادمة من قلم الرصاص
ومطاياه من الحنين المغسول بالحب حين الحبر يقارع الحبر ليعود الإنسان كما كان فقط
إنسانا.
ويستمر هنا التربص الطويل
بالأمكنة، فتارة نرى الكاتبة تنهر المسافات المتلاشية بين الشمال والجنوب، فيكون
الشوق صاخبا، وتارة تهيم بالأفق المتورم بالأسى المنكفئ على حضن وجع معتصر. ففي
تراكيب من زمن وجيز تتشكل نوستالجيا الوجع ووجع النوستالجيا ويستهتر الفزع والرهبة
بأمان الأمكنة المسالمة. يستأسد الشوق الجلاد ويفوح الجبروت حتى في أرجاء تقاطيع
الزمن المركب في النص الذي لا يكف عن استدعاء الإبنة للشهادة والحكاية.
في المنافي غير بعيد أو قرب
المدافن العقل والقلب المبهمة، حيت تتعنكب خيوط الذكريات، يصلب الأمل في مجرى
ارتدادات التذكر الموجع وتظل الإبنة مستيقظة لتعود ربما عند الفجر.
كان المكان لا يباح في
الكلام، وقسرا، كل الأصوات كومت على بعض في زوايا سيارة الإسعاف، صمت مستبد بأركان
جغرافية المدينة المثخنة بجراح المسؤولين التي لا تندمل مهما ابتدعنا من مراهم
الكلام. كان المكان مسيجا بألسنة محنطة اقتلعها المسؤول، جدل من صراخاتها قلادة من
الأشواك اليابسة المغمسة في القلب وأحاطت كوسام غدر بائس منغرز في الأرجاء.
هنا ينمحي الزمن ويتضوع
مكانا في الأرض. هنا تنهال ذاكرة القبريات على رأس القارئ. هنا يعنفك الدين وتتعوذ
منك ترانيم جنازات ذوي القربى ومعتنقي ديانتك وخذلانهم. هنا تكبل روحك وتطلق
العنان لأشرعة السكون الصاخب عن المعتقد. هنا وهناك على مرمى من الوطن الخانع طمر
الدين بلا قبريات من رحم الجنوب الحزين. وينساب الحكي ويستبد وجع الحكاية
بنوستالجيا الزمن المرتد. تتداخل أمامنا الذكريات المفتولة في خيوط حيكت من كل
الأزمان، فلا في الماضي بديات أو في الحاضر مستقر ومشرئبة تهرول الحكاية وتمضي في
وشوشة من سؤال لا ينتهي كترحال بدوي وراء غيمة من دم وماء وحياة كالحياة.
القدرة على محاورة الذات
تحتاج إلى معرفة كاملة من معرفة كوامنها وهذا يتطلب قراءة انعكاس هذه الذات على ما
نشعر من مشاعر وأحاسيس من خلال تراكم هذه الأحاسيس ضمن مساحة ذاتنا، لأن كل شيء في
تكوين مفاهيمنا المعرفية أو الشعورية يتطلب إدراك عمق المكاشفة لهوية الذات. وسط
كل ما نشعر به من ألم أو وجع أو حتى فرح ... حين نستطيع أن نصل إلى أي مرحلة من
مراحل الإدراك أو القدرة على الإدراك في تحديد عنصر انتمائنا إلى كل الظروف
والمراحل: سواء كانت شيئية أو كونية أو عاطفية أو إدراكية... نصل إلى مرحلة نعرف
بها كيف نفكر وكيف نجنب ذاتنا لظواهر فوقية أي الظواهر التي هي لا تعبر عن حقيقة
انتمائنا الإنساني، أي أننا نصل إلى إدراك جوهرنا الإنساني بشكل واسع وعميق ...
والحال هنا أن الكاتبة فاطمة الزهراء صلاح
تركتنا ندرك من خلال نصها الأدبي، استطاعتنا أن نعرف أين نضع ذاتها وسط تناقضات
الظروف التي حولها أي أنها تمتلك الوعي المعرفي بحدود ذاتها وسط المتناقضات التي تحفز الذات إلى التعبير عنها حسب طريقة
وعيها وهنا يبرز الاختلاف بين كاتب وأخر أو بين مبدع وأخر... فبقدر ما تدخل
الموهبة -هنا بتشكيل نوعية الحافز المعبر عنه أو الطريقة التعبيرية- عليه تدخل
المعرفة التي تعطي إلى الكاتبة أدوات أو قدرة على ملامسة الذات عند لحظة معاناتها
أو عند أي حالة تتصاعد عندها كي تعبر عن هذه الحالة وفق ذائقتها التعبيرية في نص
أدبي أو حوار داخلي، والكاتبة وفق هذه المسلمات ندرك أنها تمتلك الكثير من الأدوات
التعبيرية بطريقة عميقة وفق قدرة التعبير عن ما في ذاتها... الطريقة العميقة المتخذة من الرمز والصورة المعاشة بطريقة الانزياح: أي أن الكاتبة تلامس ذاتها
وتعرف أي يكمن سر المعاناة ولكنها لا تريد عن تعبر عنه بصورة مباشرة (لأسرتها
الصغيرة أو المجتمع) لكي لا تفقد عمق وقدسية هذا المعاناة في روحها ، فلديها لغة
هي أداة تعبير وليس أداة فضح، وهذا هو البوح الحقيقي وخصوصا في نص سردي حواري...
فهي في هذا النص حققت كل ما تستطيع أن تدركه من ذاتها من خلال مناشدتها العميقة
حيث تبدأ نصها بهذا المقطع (كانت بنتي الكبرى من المتفوقات في جميع المواد ومثقفة
رغم صغر سنها! ذاقت الحرمان مثلي نظرا للظروف المادية الصعبة) وهذا المقطع دلالة
كبيرة في رسم معامل الذات التي تحتويها وفق أدواتها ..
هناك في الإغتراب وهنا في حضرة حراس الغياب ينساب الحكي في
ألم احتراقات الإبداع خارج قلاع لجم الألسنة الموحشة دهاليز مشانقها. هنا تشنق
الكاتبة المشنقة وتحاصر كل المعاني والأرض المحشوة بعلب التخلف والجهل...
كلمة واحدة تكفيني : مبدعة... مبدعة... مبدعة....
سعيد تيركيت
الخميسات - المغرب - 12 / 07 / 2015
نص
الكاتبة......
كانت بنتي الكبرى من المتفوقات في جميع المواد ومثقفة رغم صغر
سنها! ذاقت الحرمان مثلي نظرا للظروف المادية الصعبة. كدّت وسهرت الليالي لتنجح ،
وتعيش!
قُبلت بنتي بالمدارس الكبرى "مدرسة سانت جونفييف"
بفرساي، بضواحي "باريس"!
بدأنا نتسلق سلم "العظماء" فرحنا واحتفلنا وجرينا في كل
مكان لنهيئ ملفات القبول وكأننا في ماراطون مراكش الشهير!
تهيأت كل العائلة لدراستها بمدرسة سانت جونفييف، بضواحي باريس.
كانت المغربية الوحيدة التي قُبلت تلك السنة.
تدخلت كنيسة العاصمة المسيحية الكاثوليكية. أحب كل الأديان . ساهمت
بقسط وافر في منحة دراسية للسنتين الأوليتين في انتظار مباراة الولوج إلى مدارس
الهندسة، بفرنسا.
حضر القس "الأب جاك لوفرا" رحمه الله، و مد يده لمساعدة
الطالبة المغربية الفقيرة.
الأمل يغمرنا.
ستقولين يا فاطم الزهور إن ابنتك تدرس في أرقى المدارس الكبرى
بفرنسا ، ليس لأنها غنية ولكن لأنها ذكية وتفهم!
قس الكنيسة الأب جاك لوفرا لم يأخذ الدين بعين الاعتبار لمساعدة
مراهقة يتيمة، وساند الدراسة والذكاء!
بكينا فرحا في انتظار شهادة الباكلوريا التي لم تخفنا وبنتي الأولى
في جميع المواد!
كنت في البيت وكان طقس ذلك الصباح حارا!
أمي بالمطبخ وحاضرة في أيام الامتحانات الصعبة !وبنتي الصغيرة
بجانبي تلعب، وأنا أنظف غرفتي ..وأدعو لبنتي، أميرة قلبي، بالنجاح ..
يصيبني مغص مهول لا يتوقف.
أفكر في بنتي في قاعة الامتحان. خصص اليوم الأول للفيزياء
والإنجليزية. المغص يزيد ولا ينتهي!
يقطع داخلي. أتقيأ!
بدأت أحس بالوهن والدوران ، وكأني درويش في حال الليلة الكبرى. أصل
إلى السماء وأنزل. كأن الحالة إسراء ومعراج !
أطلب من بنتي الصغيرة أن تكلم سيارة الإسعاف. يجيبها رجل الإطفاء.
يظن أنها طفلة تلعب بآلة التلفون يلعنها ويغلق الخط!
أواااااه .. لماذا أغلقت الخط؟؟؟؟
لا تغلق الخط يا عامل الإطفاء! إنه خط الحياة!
فاطم الزهور تموت!
تعيد ابنتي الكرة مرة أخرى وتقول: لا تقطع الخط! ماما مريضة.
"صيفط لينا لابلانس دابا دابا الله يرحم الوالدين دابا دابا!"
تصرخ ابنتي وتنادي أمي: ماما "كتموت!"
تصرخ أمي! وبمساعدة بنتي تطلب سيارة الإسعاف!
وها أنا في طريقي إلى مصحة حسان!
أمر بباب الرواح، في وسط الرباط، قريبا من الوزارة الأولى!
يا سيدي الوزير الأول، أتقطع في داخلي من كثرة الجري على الأوراق،
من فاجعة "الجنسية" من الحدود العربية .. من هلع الترحيل والرحيل، من
الخوف على رغيف الخبز وثلاثة أفواه تنتظر،
من هلع الجنسيات العربية.
هل تسمعني يا شرف الحدود! وأنا أناجي الوزير الأول. إنه مازال في فراشه.
الكبار يشتغلون بالليل وينامون بالنهار. إنهم في حاجة إلى صمت
المدينة!
نحن والوزير جيران، ولم يأت سعادته يوما ليأخذ شايا معنا ببيتنا.
كان من الممكن أن تمثل زيارته مناسبة خصبة ومهمة لإشهارتلفزيوني ذكي بكل اللهجات
في إطار تقريب الوزارة من المواطن وفتح الحدود !
في سيارة الإسعاف، أبتسم!
أسمع صفيرها الذي ينبئني بالموت القريب وبنتي في قاعة الامتحان.
أبكي! ثم لا أبكي!
يا شرف الحدود تدخل أرجوك! استيقظ! أجب!
أمي وبنتي الصغيرة تصرخان : إنهما تودعاني. بنتي في قاعة الامتحان.
أبكي!
أمر بباب السفراء، أنا سفيرة الجنسيات العربية المخذولة.
تري في أي قبر سأدفن؟
عبث هذا يا فاطم الزهور!
هل سأحصل على تأشيرة الدفن ومن أي مؤسسة؟
وفي أي سلّم اجتماعي للمقبرة سأوارى؟
من سيمشي في جنازاتي ويذرف دموعا حقيقية على قصة حياة ..
حياااااااااااااااااة؟
يحضنني ويأخذني العبث وأفكر: "رموني في الزبل!"
ها أنا أحمل إلى غرفة، أنتظر على سرير بارد.
وكل الممرضات تتبعن نفس الموضة: السيروم في قارورة معبأة بالماء
والسكر يحسب ثمنها باهظا أثناء مغادرة المصحة.
وللمصحات حكايا غريبة في الوطن!
تصطك عظامي، ترتمي عليّ أمي وبنتي لتدفئاني بجسميهما.
أخطأ الطبيب في التشخيص خطأ فادحا.
ظن أنه تسمم نتيجة للأكل! .. أواااااه وكان نزيف داخلي وصامت في
ضجيجه .. ويخطئ الطبيب في التشخيص .. أوووووااااااااااااااااه ..
أويليييييييييييييييي..
لم يخصص لك يا فاطم الزهور الوقت الضروري لتشخيص طبي متمكن!
قاعة الانتظار مكتظة بالمرضى. والوقت عند بعض الأطباء من ذهب!
بنتي في قاعة الامتحان!
أبدأ في فقدان الوعي! تأتي ممرضة إيطالية. يصيبها الهلع. تخرج
مسرعة! أفتح عيني اليمنى! أرى ممرضة تهز رأسها وتقول:
إنها تحتضر!
أوااااه .. هل حقا أموت وابنتي الكبرى تجتاز امتحان الباكلوريا ..
أووووواه .. تضرط علي الحياة وتبتسم ... أوووووااااااااااااااااه
داخلي يصرخ بقوة ويرفض: أحتضر!!
أواااااااااه، بنتي في قاعة الإمتحان!
أوااااااااه أطفالي!
أواااااااه على حياتهم بدوني !
أوااااااااه أطفالي!
أواااااااه على حياتهم بدوني !
اوااااااه عليك يا فاطم الزهور!
يا بدر البيت!
يا كاملة الأمومة،
يا أيتها البهية الشقية.
هل صحيح أنك الآن تموتين!
يا بدر البيت!
يا كاملة الأمومة،
يا أيتها البهية الشقية.
هل صحيح أنك الآن تموتين!
بنتي .. أميرة قلبي.. في قاعة الامتحان ..

