"ما الألم؟ ما معنى أن تحاول وصف الألم؟ الألم لا يوصف، الألم يعاش " هكذا أردف بعد أن أخذ نفسا عميقا، متنهداً و كأنه خرج للتو من معركة ضارية، معركة نقشت في "أُناه" عاهات نفسية و جسدية بإيقاع باهت تحكي عن ألآمه الثكلى..لايخفيها آثار الزمن مهما طال عمقه..فلا عجب في الأمر..لا عجب في أن تترك في جبهته كل تلك الندبات،و في جلده حروقات الكيماويات..فهو الذي خطت له الحياة مساراً محفوفا بالألغام، إذ كلما نجا من موت محتوم إلا وصادفته هزائم متتالية...
كم يحكي لي عن نذالة الحياة..؟ و في أحايين أخرى يهز كتفيه معلنا صرخته المسلوبة تاركا إياها كما هي، مستمرا في مجابهتها غير فاقدا للأمل...ويكابر..!
كنت لا أُجيد إلا دورا واحدا أمامه، مضغ الحزن بين فكي كي لا أوقظ أوجاعه المتأججة، كنت أصر على ابتلاع تكالب الخيبات، و أحاول قدر الإمكان أن أنصت له بعد أن يعجز قلمي عن مجاراة تفكيره الحارق ... بدا لي يتحدث و كأنه الكوكب الذري في الأفق، يحاول أن يبتسم كي يضفي على نصي بعض الحياة ! .. لكن لسانه كان ثقيلا، وألمه كان أثقلا... تلك الصرخة المبتوثة في حلقه يبتلعها كلما كانت هناك محاولة لاختلاس النظر في عينيه، وكأنه يقول " دعِ عنكِ الألم انه ملك لي وحدي"..
هذا المحارب الخائر القوى زمهرة عينيه تحكيان كل شيء ..!
ساقاه النحيفتان قد يحدث أن تكسرهما نفحة ريح هشة ..!
سعال يكاد يمزق صدره إلى أشلاء ينذر بعاصفة هوجاء..!
حاجباه المعقودتان تصران على هزم اليأس
ووزنه الأخف من ريشة طاووس يربك قلبي ويصيبني بخيبة الضجر ..!
صوته الخافت المهمش يبتلع فشلا من صولجان الحياة..!
حنجرته التي لا تسعفه في الكلام.. لا تسعفه أيضا في الأكل إلا بعد جهد جهيد يبتلع رشفة ماء تحدث تشققات و الآلام حادة لا تطاق !
ظهره المقوس كستيني يخرب تقويم جسده العشريني...
بدا و كأنه أكبر من عمره العشريني بكثير...!
يتألم آناء الليل و أطراف النهار، ومن العبثية أن أحاول إعطاءه دروسا في الصبر، فقد ذاق مرارة الألم حد الاكتفاء، كرجل معطوب من الماضي جعله السرطان يعيد ترتيب ذاكرته، و ترميم ما بين يديه..ترميم لغته الركيكة، ثيابه الرثة، ساعته المتقادمة، حلق ما بقي في وجهه من شعيرات..ترتيب كتبه التي اعتلاها الغبار..كتابة بعض المذكرات يحاكي فيها عظمة الأم..سرطنة حبه الناتج عن عراء المشاعر .. ليس المشاعر فقط الأهداف..الوطن .. المستقبل .. تركوه في عراء أيضا...
يمسك رواية بيديه و يقول لي قولته الأخيرة:
" حينما تفشل المسكنات في إيقاف الألم..
و حينما يرتهل الجسد..
و تفقد الأعضاء أدوراها و حريتها في التحكم..
وحينما تنهك الروح... و تفقد روائح الكلمة ..
حينها فقط يا عزيزتي يحق للجسد و الروح ان يغيبا بكرامة"
قد غابت شجرة ياسميني بعد أن تشظت وتأخرت موجات فرحها ...قد غاب و ترك لي .. نصف الذاكرة ..
نصف الوجع ..
و نصف قلبه !
للتواصل مع الكاتبة على الفيسبوك، اضغط هنا : هاجر القاسمي

