صديقنا عالم فيزياء وكيمياء،سبر أغوار هذه العلوم ونفذ الى عالم الجزيئات والذرات والبروتونات والإلكترونات ورأى دقائق الأجسام،وشاهد عجائب وغرائب العالم الذري بتناقضاته وغموضه.
في أحايين كثيرة يجلس في غرفته الساعات الطوال يبحث وينقب،يقوم بالحسابات الرياضية والتجارب المختلفة يزداد اتصالا بذلك العالم الذري وما تحت الذري وروحه تغرق في ظلام التناقضات بعد أن غرق عقله في متاهات تلك الحسابات،وكم من مرة وجده أفراد أسرته ينظر في نموذج جزيئي فاغرا فاه شاخصا بصره لا يرمش لحظة واحدة.
لما آن للمسكين أن يرجع لواقعه المعاش،كان عقله قد تلُف من وقع الصدمة الذرية،فهو لم يستطع الجمع بين فهم عالمه الذي يألفه بحسه المشترك مع جميع الناس وعالمه الآخر الجديد عالم فيزياء الذرة،نتيجة لذلك بدأ صديقنا يفرغ مشاكله النفسية عبر الإجرام،فقبضت عليه الشرطة وأودعته السجن !!
وهو في السجن،تذكر أن الدقائق الذرية وما تحت الذرية،لا يمكن التنبؤ بمكانها بالضبط لكن يمكن الحصول على احتمالات مكانها فقط، لأنه اذا أردنا رؤية مكانها كان لزاما تسليط الضوء عليها،لكن للضوء طبيعة جسيمية فهو عبارة عن فوتونات،فإذا قذفنا فوتونا على هذه الدقائق تحركت فغيرت مكانها.
وهو يزور هذه العوالم الذرية ،قال:"لو كنت إلكترونا،ما وجدتني الشرطة أبدا،،فأنا كلما لمسني الضوء حركتني فوتوناته الى مكان آخر فاستحالت رؤيتي لأنه لا قرار لي في وجود ضوء مسلط علي.
وهل توجد رؤية دون نور مسلط على الأجسام،سأختفي ما دام النور يتبعني.
مجرم أنا لا قرار لي في وجود الضوء،وكأني إلكترون مستذئب أخاف الليالي المقمرة خوفا من نورها الساطع أن يكشف حقيقة الذئب فيَ."
يجلس في زنزانته وحيدا،لا بل في عالم ألفه دائما،لا فرق عنده بين المنزل وهذه الزنزانة،فالمهم عنده هو العيش في عالم فيزيائي يستأنس فيه بالمواد المختلفة والأجسام صغيرها وكبيرها.يتأمل الجدران فيتذكر أن ذراتها المتراصة المنظمة تنظيما محكما هي من تعطيها خاصية الصلابة فلا يمكن اختراقها:"لو تباعدت قليلا فيما بينها لاختل تراصها وانتظامها ولأضحت سائلة أو غازية،وكان بالامكان المرور من خلالها،فيا لسوء حظي. أيمكنني اقناعها بأني بريء؟ بأني أردت استكشاف عالمها فردتني خائبا حسيرا،بل سلبتني عقلي وأعانت علي السجان فطوقتني بجيشها الذي لا يتزحزح.أهكذا أقابل أنا الذي اهتممت بها ودرستها وتعرفت على خباياها،أجزائي أن أحارب من قبلها؟"
في الجانب الآخر من الزنزانة يوجد السجان الذي أضحى يطالب بتغيير مكان حراسته إلى زنزانة أخرى بسبب صداع الرأس الذي يصدر عن الفيزيائي الأحمق.
في اليوم التالي وعند تباشير الصبح فتحت الزنزانة واقتيد إلى خارج السجن من طرف مجموعة أطباء ونقل إلى مصحة الأمراض العقلية،كانت لحظة مميزة خلال فترة سجنه هذه حيث تنسم الهواء العليل الذي أزاح بعض الهم عن كاهله عكس ما كان يجده في ذاك السجن من رائحة نتنة مقرفة يضيق لها الصدر وتنفر منها النفوس،وأحس في لحظة خاطفة بشعور انساني،شعر بعبق الحرية يعبر كيانه ثم ما يلبث حتى يغادره فهو سيصبح سجين مصحة أمراض عقلية.
دخل غرفته الجديدة وهو يقلب بصره يمنة ويسرة يكتشف عالمه الفيزيائي يحلله غير آبه للمرضى أو الأطباء،اتخذ متكئا في فراشه وأغمض عينيه فأخذته سنة من النوم صال وجال خلالها في كوابيسه التي قضّت مضجعه هذه الأيام فلم يعد يهنأ حتى بنوم جيد.
استيقظ على وقع صراخ الأطباء يدعونهم لتناول وجبة الفطور،خرج من غرفته وهو يرى جرا هنا وكرا وفرا هناك فخروج المرضى من غرفهم لحظة عصيبة على العاملين في المصحة لكن تعاملهم كان قاسيا جدا بالنسبة ممن ينتظر منهم الرفق والرحمة بهؤلاء المرضى المساكين،لكن صديقنا لم تعد تنتابه هذه المشاعر الإنسانية إلا قليلا فهو يحسب هذه الزوبعة تفاعلات كيميائية يسره رؤيتها،واذا به يطلق ضحكة كبيرة بدت لها نواجده فرحا عكس ما يستدعيه الموقف من حزن وحسرة على هؤلاء المرضى لكن أعراض المرض العقلي قد بلغت مبلغها منه وتمكنت من عقله وأحكمت الوثاق على روحه المعذبة تهب بريح صر على مشاعره تجعلها هباء فيعود الى الغرق في عالم المادة من جديد.
جلس في مقعده وكان بجواره شيخ كبير هادئ ذو لحية كثة يتناول طعامه، يختلف عن بقية المرضى بنظافته وحسن مظهره و حول معصمه سبحة كبيرة،تظهر على تقاسيم وجهه تعابير رجل حكيم خبر هذه الحياة الدنيا،وقد أدخله المصحة بعض افراد أسرته جهلا منهم بعد فترة جذب اعترته بسبب استهتاره بالذكر فقد كان رجلا ذاكرا.
بدأ صديقنا يتناول وجبته سابحا في عالمه غائبا، يغلب على طاولتهما الصمت إلا من صوت مضغ الطعام.
"ما اسمك يا بني حفظك الله؟" كسرالشيخ ذلك الصمت بصوت خافت عميق، تعلو وجهه ابتسامة جميلة.
رد عليه صديقنا في أول حديث له بعد فترة طويلة من الإنكفاء على الذات إلا من الحوارات مع السجان خلال فترة سجنه.فقال الشيخ:"ما الذي أتى بك إلى هنا؟" وهو يستمع للسؤال أحس صديقنا براحة إلى الشيخ الماثل أمامه فعبر عما يختلجه من هم وحزن وما يعيشه من كوابيس وقص عليه قصته المحزنة وشرح له مشكلته بالتفصيل والشيخ يأخذ بتسابيحه واحدة تلو الأخرى يحرك شفتيه يذكر الله تعالى.
"لا تقنط من رحمته يا ابني ما دام الله عز وجل يغدق عليك بنعمه،وما محنتك هذه إلا لأمر مدبر لك عسى أن يكون خيرا إن شاء الله".
فأحس صديقنا بهذا الكلام ينفذ عبر قنوات قلبه،ينزل عليه بردا وسلاما يطلق سراح روحه من قبضة سجن العالم الذري،فتنهد تنهيدة أحس على إثرها بروحه تعود لتسري في جسده من جديد.
"أي بني إن الانسان مادة وروح واهتمامك بالمادة حولك بحثا واستكشافا لخلق الله واستشرافا لاكتشافات عديدة ممدوح تتثاب عليه فأنت ممن تنهض الأمة بعلمهم وكشوفاتهم لكن لا تنسى جانب الروح فيك فهي من تجعل منك انسانا وبها تتقرب الى ربك وبها وعليها عماد مصيرك في الدنيا والآخرة وهي من يخلق التوازن في حياتنا وإلا فمصيرنا الخلود الى الارض والتيه في عالم المادة الذي يتطور يوما بعد يوم."
صحب صديقنا الشيخ الذاكر يأخذ منه الإيمان وكان في مرات كثيرة يحكي له عجائب العالم وبديع خلق الله ونظامه المتسق الذي يراه في أبحاثه،فمرت شهور قليلة تحسنت صحته وخرج من المصحة ورجع إلى أسرته وعمله في الجامعة بقلب مشع بالايمان وعقل متفتح أكثر وهم وفضول إلى المزيد
من البحث والاكتشاف،إنه اتزان بين المادة والروح.
الكاتب على الفيسبوك ، اضغط هنا : سهيل الدوى
Click here to Reply or Forward
|

