وبعد الحب والحرب نشعل سيجارة ليحترق المكان، ليندثر ماضينا ... عل النسيان حل ممكن . . وبعد الدخان نحفل بالإنتصار ونغادر المكان ويعود الزمان لتتشكل الحكايا من جديد في ما تبقى من أعقاب السجائر المحرقة (...)
عهدتها باسمة، لم أعرفها عندما رأيتها تمشي ... بدت مختلفة، نظرتها اللامعة انطفأت وحارت في اللاوجود. كان شعرها هادئا رغم العاصفة كأن احدا يشده ويربطه حولها لتختنق؛ رأيتها تمشي كأنه لم يكن احد حولها بوجه اختطفوا ورديته وسلامه، كان وجهها شاحبا، مصفرا. عيناها مفتوحتان لكنها لم تكن ترى ...
عندما رأيتها تمشي، كانت بعيدة عني بخطوات معدودة لكن الاقتراب منها كان يتطلب السفر مع الزمان .. الابتعاد لمجرة اخرى وربما لعالم اخر؛ كانت تمشي في المكان شاردة في اللامكان. كانت ضائعة لم يبد عليها الخوف ... وفي طريقها الطويلة كانت تساعد أناسا لا تعرفهم، لم تكن تسعى لابقائهم على قيد الحياة قدر ارادتها في المخاطرة بحياتها ...
جلست وسط النار تساعد الآخرين علها تحترق مكانهم. تلك الفتاة التي عهدتها تحب الحياة اصبحت تائقة للموت. للأبدية، ربما لان احتساب الوقت اتعبها ربما لانها كرهت عد الاشياء والبحث عن أماكن لم تزرها علها هناك تلتقي بأشخاص جدد رغم وعيها بأن تلك الاشياء فانية ... تعبت من المشي أرادت ان تتجمد في أبدية معروفة. ربما لم تحاول الإنتحار لتبقي على فجائية الموت، ربما لأن الإنتحار يليق اكثر بأناس يائسين وهي تطورت باليأس، تطورت بذاتها لشيء آخر لا يشبه الإنسان فهي لم تعد تشعر بشيء ... ربما انسانيتها هي سيجارتها الأخيرة التي أحرقتها ذات يوم ...
كان الجو ممطرا، يومها أذكر أني تركت مظلتي بالمنزل وكان هنالك مقهى قريب لم أجلس فيه من قبل. دخلت المكان وقد لفت انتباهي وجه ملائكي، كانت واقفة لتضع كرسيها للوراء قليلا ربما لأنها شعرت بإقترابها الشديد من السقوط: السقوط في الإدمان وهي التي لم تعتد على شيء من قبل، وهي المتغيرة الهاربة من المجتمع ومن نفسها ومن الحب ... «عاتكة» جلست إلى طاولة حمراء مع أربع فتيات.
(...)
منذ ذلك اليوم وأنا أزور المقهى بصفة يومية، منذ ذلك اليوم والجو ممطر في مخيلتي ...
-وئام الشاذلي
(يتبع)

