لقد حان الوقت
لطالما عهدت أن أجد نفسي خلال الفصل، أكتب .. ما طلبه الأستاذ أو لم يطلبه، أسمح لقلمي بأن يعيش حرا، بأن يفعل ما يحلو له، ولطالما قرأت كتاباتي صديقتي الحميمة التي تشجعني على إطلاع الجميع عليها فأرفض قائلة : أنا أكتب لنفسي، لترمقني بتلك النظرة المعاتبة المعهودة وتصمت، لطالما تنبأت لي صديقات عمري بكوني سأصبح كاتبة لأجعلهن يعدنني بشراء كتابي الأول، لطالما خبأت ما نثرت من الحروف على أوراقي، كي لا يجده أحد، فأنا كما كنت أقول، لا أكتب سوى لنفسي، أجد الآن فرصة ذهبية ليشهد العالم رؤية ما كان في الماضي لنفسي، فرصة ليقرأ الجميع أفكاري ، لأجعلهم يدركون آرائي حول جمال الأسماء اليونانية التي أسميت سمكتين ذهبيتين بها، حول روعة الفساتين الأوربية القديمة والمنفوشة، حول مدى سعادتي عند رؤية شاب ملتح، يمسك يد فتاة محتجبة، يضعان خاتمين بسيطين، ويمشيان بابتسامتين خلابتين ... حول سحر رجل نال الشيب من رأسه، يمسك يد زوجته التي نالت التجاعيد من وجهها، لا يزال يراها أميرة، ولا تزال تراه تاجها، حول ابتسامة الطفل التي تجعلك تبتسم بدورك تلقائيا ولو كنت تحمل هموم بثقل الجبال كلها، حول سعادة طالب متخرج ينظر إلى والديه فيرى سعادة الدنيا بأكملها، ويخطط لأن يجمع نصف راتبه كل شهر ليرسلهما لحج بيت الله الحرام ، فرصة أيضا ليستغربوا عشقي للأفلام التراجيدية والمؤلمة، فقد تجري الرياح أحيانا بما لا يشتهيه قارب ولا قلب، ولسماع تميم البرغوثي وناظم الغزالي وفيروز، في زمن أصبحت فيه الأولوية لمنسقي الموسيقى، تختلف الأذواق أدري، تختلف طرق السعادة نعم، إلا أنني أريد وأتمنى استعادة الهوية التي يمحوها الغرب يوما بعد يوم ، تلك هي سعادتي، إنها مناسَبة مناسِبة لأجعل كل من حولي يحسون بمقدار الكره والغضب والاختناق الذي يحمله كل شاب عربي في جوفه، تجاه صهاينة قتلوا ودمروا واختاروا قبلتنا الأولى كمسرح لجرائمهم الشنيعة ، بل والتي فاقت شناعتها جرائم جاك السفاح ودانييل .. على فكرة، فليدرك العالم أننا لم ولن نصل أبدا إلى نسيان ما ارتكبه هذا الأخير فجرائمه لن تغتفر ! غاضبون نعم ! حانقون للغاية من زمن اغتصبت فيه براءة أطفال منا، كان يمكن أن يكونوا من إخواننا الصغار أو فلذات أكبادنا لولا أن قدرا قدر لآخرين هذه المحنة، هذه المصيبة التي ألمت بأجساد صغيرة وهشة للغاية، يكون حمل محفظة ممتلئة بالكتب الدراسية عسيرا عليها، فما بالكم باحتمال ذنب لم يقترفوه، باحتمال قسوة واغتصاب لم يفهموا تفاصيله ومعانيه بعد، باستحالة نسيان أو بالأحرى تناس لحق لم يسترجعوه، بعقوبة لم تثأر لهم، بثأر لم ينتزعوه، فلا أحد فعل، فنسي العالم ما حدث للحفاظ على العلاقات المغربية الاسبانية، والتضحية من أجل ذلك بأطفالنا، ورجال الغد ! يا له من غد إذن، فليكن الله بعوننا !
فليشهد العالم ، أننا نريد التغيير، نريد مستقبلا أفضل، فلتشهد الدنيا، أننا ورغم اختلافنا، واختلاف أذواقنا عن الأجيال السابقة، لا نريد سوى إكمال المشوار الذي صنعه أجدادنا، لإعادة إحياء مجد مقاومة الاحتلال، نقدر فعلا أناسا شدوا همتهم وحاربوا من أجل هذا الحاضر الذي نحن بصدد عيشه، نقدر فعلا مجدهم وشجاعتهم وبسالتهم، نرغب أن نسير على خطاهم، نفعل ما بوسعنا لنغير ظروف و مآل بلادنا، ولو كانت مسيرة خضراء أخرى قادرة على إصلاح السجناء، ومساعدة الفقراء، إنقاذ الأطفال والنساء من المغتصبين المخلين بالحياء، لمشيناها إلى آخر الدنيا، ليتنا قادرون على تحسين أحوال المستشفيات التي تصبح شيئا فشيئا جرداء، فيفضل المريض المنهك أن يموت في فراشه على أسوء الهلاك، في غياب تام للمفاهيم الإنسانية السمحاء، ليتنا نستطيع أن ننظف مؤسساتنا من ما أصابها من البلاء، فساد ورشوة و زبونية وآذان صماء ! ليت أمة عربية تتحرك وتعيد صنع مجدها، مجد الأندلس وبلاد الأكراد ومقاصي الشرق والغرب وكل الجهات، فيجتمع شبانها وشيوخها معلنين غضبا شديدا كفيلا بتحرير فلسطين، ترميم ما بقي من الحضارة البابلية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أنقاض الشام ، آه يا سورية، و آه يا نزار ! وأم الدنيا ! والنيل الذي اسود من كثرة النحيب على مصر، ليت الأمة العربية تقف وقفة رجل واحد، لتعيد كل شيء تدمر إلى مكانه، لتستعيد مجدها المعهود، لتتفجر الأنهار وتحل الخضرة مكان الأنقاض، وينعم الكل بالسلام وإن أتى متأخرا .. ليرفع ياسر عرفات رأسه شامخا كما عهد، ليبتسم أحمد ياسين ابتسامته المشرقة بين لحتيه البيضاء الوقورة، و ليفتخر صدام، ويسعد الكل بعودة مجد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه بإذن الله تعالى، ورغم كل الصعوبات، لعائد !
أدري أن الرؤية تبدو مظلمة، أدري أن كل شيء يبدو أسود اللون، أدري أن هناك العديد من الرجال السكارى، الذين يعودون إلى بيوتهم لينهالوا ضربا على نساء بدون ذنب، أدري أن هناك فتيات ماديات يرمين بأجسادهن مقابل نقود ستنتهي، ورمي شرف لن يعود، أدري أن هناك شاب يسرق هذا ويقتل ذاك، وأن هناك آخر يستغل هذه ويتحرش بتلك، أدري ومع كل ذلك لا يزال هنالك خير، لا يزال هنالك رجل يتصبب عرقا لكي يجلب لأبنائه قوتهم، لا تزال هناك امرأة عفيفة تحفظ بيتها وتوقظ أهلها لصلاة فجر في سكون الحي، هناك فتاة مغمورة في حيائها وترغب في الجنة فقط، لا تعميها سيارة من أحدث موديل، ولا مجوهرات ولا حسابات بنكية، ترغب بمن يمسك يدها ويأخذ بها لطريق الله، للجنة، هناك شاب أيضا، يدخل بيته فيقبل يد أبيه ورأس والدته، يعطف على أخته ويذاكر مع أخيه، ينام مطمئن البال، لأنه عندما كان بالخارج، حمل ثقلا عن كهل، وغض بصره عن نساء الأرض، أقام صلاته بمسجد الحي، ابتسم للصغير وحيا الكبير، وأنعم عليه الله براحة البال، لتوقظه أمه على بشارة أن والد العفيفة التي طلب منه يدها، قد وافق .. !
اعذروا طول مقالي، اعذروا أحاسيسي المتضاربة، اعذروا فرحي وحزني، يأسي وأملي، فالكل مثلي، صامتون، الكل ينتظر فرصة ليتحدث ويحكي ويتألم ويبكي، ويعود إلى صدر أمه ليهدأ ويضحك، ويتابع حياته بهدوء، ويعيش على أمل .. أنه ربما، بل ومن المؤكد، سيكون الغد أفضل، سينتشر الحب والسلم والأمل وتعود القيم الأخلاقية السامية، فيتجه كل عاشق لفتاة إلى منزل والديها، فيتزوج العشاق، وتنجب النساء العقيمات، ويجد كل تائه طريقه، فتتحقق النهايات السعيدة، وينتصر الخير على الشر، وإنني وعلى عكس أثير عبد الله، أؤمن في خفايا قلبي، بأن هذا ممكن، ولا يتحقق فقط في الأفلام العربية، بل سيتحقق أيضا، وذات يوم، في الواقع العربي.

