728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    مذكرات طالب ثانوي - جزء من سيرة ذاتية ~ معاذ شقرطيل ~

     مذكرات طالب ثانو  
    مضت العطلة الصيفية مسرعة كمثيلاتها من العطل.. و لا أسرع من العطل في بلادنا.. أو ربما ما أسرع العطلة بالنسبة للكسول الخامل العاشق للحرية و التحرر من كل التزام، و لعل الالتزام المقصود في تلك الفترة من حياتي هو الدراسة و لا شيء غير الدراسة..
    استيقظت صباحا و تناولت فطوري ثم جهزت نفسي للخروج قاصدا الثانوية، وصلت إليها متلهفا و متشوقا لمعرفة التلاميذ الذين سيشاركونني عاما دراسيا كاملا، و كانت صدمتي عظيمة عندما وجدت اسمي مكتوبا وسط أسماء مجهولة، و رغم أن الكثير من أصدقاء الإعدادية سيدرسون معي في نفس الثانوية إلا أنهم وضعوا في أقسام مخالفة لقسمي، تجاوزت الأمر و اتجهت إلى قسمي لأحضر بذلك أول حصة في تاريخي الثانوي التأهيلي، و كانت حصة مادة اللغة الانجليزية التي درستها لنا أستاذة من النوع الذي يجعلك تحب المادة حتى لو كنت تكرهها ككره الغزاوي لإسرائيل... لقد كانت علامة فارقة في تلك الثانوية ببشاشتها و أسلوبها و فكرها فكانت حصتها أفضل الحصص و طريقتها تجعلك محبا لمادتها غير مغتاظ من مسألة جلوسك في كرسيك طيلة ساعتين متتابعتين..
    اخترت مقعدا بجانب تلميذ اختار الجلوس وحده.. و بعد تعارف بسيط تبين لي أن اسمه توفيق، و أنه درس في إعدادية قريبة من هنا، فصار صديقا لي منذ اليوم الأول,, لأتعرف فيما تلا اليوم الأول من أيام بأصدقاء آخرين فرضتهم علي زمالة الدراسة، و إن كنت مفتخرا و لا زلت مفتخرا بهم و برفقتهم في تلك السنة..
    و رافقت أيام التعرف على الأصدقاء التعرف طبعا على أساتذة المواد المختلفة، فكان أستاذ الرياضيات ضخما مرعبا، و لم أتوقع أن حدثا هاما سيجمعني به في مستقبل أيامي الدراسية عندما رأيته للمرة الأولى، بل كنت سعيدا بلقائي الأول به لأنه كلفني بالذهاب إلى الإدارة لإحضار بعض المعدات,, و بدا لي متفهما،ربما كنت مخطئ و غبيا أيضا.. لأن الغبي هو الذي يحكم على الناس من خلال اللقاء الأول...
    أما بقية الأساتذة فقد كانت شخصياتهم مختلفة و متنوعة، فكان أستاذ التربية الإسلامية صارما جادا و متميزا بأسلوب تدريسه و طريقة تلقينه مادته، و رغم صرامته كان محبوبا من جميع التلاميذ، فكان محط تقدير و احترام الكل، أما أستاذ الفلسفة فقد كان فيلسوفا فعلا ههه، طريقته في التدريس كانت غريبة جدا، فقد كان يتحدث طيلة الحصة دون توقف و لا يتيح لأحد إمكانية التدخل كما لا يطرح الأسئلة إلا نادرا، و لا يهتم بالضجيج و صانعيه، فقد كان كل همه هو الكلام و لا شيء غير الكلام...
    أما أستاذة الاجتماعيات فقد كانت هادئة في طريقتها، تبحث دائما عن بث جو الحماسة بين التلاميذـ فكانت تلجأ لتلك الطريقة التقليدية في التحفيز عندما تطرح سؤالا شائكا شيئا ما دون أن تجد منا جوابا سريعا، فكانت تحفزنا بقولها أن المجيب عن سؤالها ستضيف له نقطة إيجابية، و قد كنت محظوظا إحدى المرات بحصولي على تلك النقطة..
    كانت حصة مسائية في مادة الجغرافيا و كنت ساهيا في عالم آخر كعادتي طيلة الحصص،، أفكر في أمور أخرى لا علاقة لها بالدراسة، و فجأة انتبهت و تناهى إلى مسمعي قولها : [ من يجيب عن هذا السؤال سيحظى بنقطة إيجابية ] ,, بصراحة لم تكن تهمني تلك النقطة كإضافة لنقطي لأني أعلم أن أهميتها شبه معدومة و لكن كان يهمني أن أظهر بثوب خاطفها من بين الجميع,,, كان ذلك يجعلني فخورا بنفسي,,, ههه فطلبنا منها إعادة السؤال فقالت : [ ما السبب وراء التباين الكبير في مساحة الأراضي الزراعية بين قارتي آسيا و أوروبا ؟].. لم أفكر طويلا لأهتدي إلى الجواب. بل عرفته بسهولة لأني كنت مهتما في طفولتي بجغرافيا البلدان فكنت أحب جمع معلومات عن الدول العالمية و مدنها و عملاتها و مساحاتها و عدد سكانها و عواصمها.... و طبعا كنت على علم بمساحات قارات العالم.. فرفعت أصبعي فأمرتني الأستاذة بالإجابة فقلت أن السبب راجع بالأساس لكبر مساحة قارة آسيا مقارنة بقارة اوروبا.. فقالت لي : أحسنت. فذهبت و فتحت دفتر التنقيط و سألتني عن اسمي فقلت لها : معاذ...... ثم أردفت قائلا : الرقم 32.. فقالت : طيب... فأمضيت تلك الحصة سعيييدا ههه..
    تعاقبت الأيام و الأسابيع و تعمقت معها علاقة الصداقة بيني و بين مصطفى و عادل، و خاصة مصطفى.. فكنت أمر عليه كل صباح باكر لصحبته في طريقي إلى الثانوية، و لا أذكر أني وجدته مستعدا أبدا.. فدائما ما كنت أطرق الباب و أنادي عليه ثم أنتظر عشرة دقائق أو خمسة عشر دقيقة ريثما يصلي و يرتدي ملابسه.. بل أحيانا كنت أجده نائما.. و كنا بذلك متأخرين دوما و ملزمين بإسراع الخطى تجنبا لباب مقفل أمامنا حينما نصل... لم أكن أستاء من تأخره لأننا دائما نصل في الوقت المحدد كما أني كنت سعيدا بصحبته...
    مضى الشهران الأولان بشكل عادي جدا.. حصص و دروس.. ذهاب و إياب.. إلى أن انتبهت في يوم جمعة إلى غياب مصطفى عن الحصة و كانت تلك هي المرة الأولى التي يتخلف فيها عن الحضور... و لسوء حظي في ذلك اليوم أني لم أمر عليه صباحا لأني استيقظت متأخرا... و لم أمر عليه عند نهاية الحصة الصباحية بسبب صلاة الجمعة...
    كنت أظن أن سبب غيابه بسيط و عادي.. و لكني كنت مخطئ...
    فما سبب غياب مصطفى؟؟؟ تابعوني في الحلقة القادمة من مذكرات طالب ثانوي....


    إلى الأعلى