728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    رصيدي غير الكافي ~عبدالله أزغور~

    نزلت من الحافلة بعد مسافة طويلة،كنا خلالها داخل الحافلة قرودا تلعب وتتعلق بإطارات الحديد والأعمدة المنصوبة للواقفين بها،بعضنا قضى فترة يمارس الجمباز دون إعتراض،عدد كبير من الركاب أعجبته هذه الرياضة ،مجموعة من المراهقات أمامي يقهقهن طول المسافة،واحدة منهن تعلك العلكة باجترار،فيما صديقتها الثرثارة توميء لها بالغمز حينا وبالإشارة حينا آخر.كلما دارت الحافلة ،بدأن يمارسن رياضة الجمباز الاضطرارية،عيناها لا تعرفان الخجل،ظلتا ترمقانني طول المسافة،أحيانا كنت أسترق النظر إليها لكني أصطدم بنظراتها الحادة،وهي رغم علكتها المكروهة كانت على قدر من الجمال،ما يجعلها محط الأطماع.


    image



    إثر نزولنا من الحافلة إختلفت الوجهات،كنت أنظرها إلى أين كانت تسعى،تتبعتها ببصري حتى دخلت صالون تجميل،تردد في نفسي حينها صوت شديد يقول لي: جمع راسك ألبوفري!
    قصدت صالون تجميل وقصدت المقاطعة،من أجل شهادة سكنى،تكفل لي الحصول على بطاقة الحافلة التي ستقلني العام كله إلى الكلية،لم يكن في جعبتي غير دريهمات والأوراق اللازمة،كانت المقاطعة تعج بذوي الحوائج التي لا تقضى في هذا الوطن الحبيب،إنتظرت في الطابور مع كثير ،ظننتهم يدخلون بالنوبة إلى المسؤول،مضت ساعتان دون أن تصل نوبتي،فجأة!دخل خمسيني ضخم الجثة،ومن شدة ضخامته أحسبه لا يرى جهازه التناسلي أبدا،ولا يستبين حزامه،عرج على الطابور ودخل دون اكثرات للمنتظرين أمامه،فاستقبله المقدم بابتسامته،علمت منها أنه ذو منصب ومال،قام إليه وحياه:تفضل أسي الحاج...قدم إليه الكرسي وجلس، ولم تمض فترة قصيرة حتى قضى حاجته،فدس في يد المقدم شيئا،لا يعدو أن يكون مالا،ولم يعبأ بالناظرين إليه،مضى إلى سبيله ولم ينتظر كما انتظر الناس،إنها سلطة المال،وأين به لجموع المنتظرين مثلي؟
    لما حانت نوبتي،دخلت على الأمين بعد السلام،سألني عن حاجتي،فقدمت له الظرف به الأوراق اللازمة وثلاثون درهما.أعاد لي الظرف وقال هذا لا يكفي،أخبرته أني طالب وما أستطيع منحك أكثر مما ترى.
    قال:زد واحد عشرين درهم.
    قلت:والله ما عندي غير عشرة دراهم هي اللي نقدر نزيدك،الله إرحم والديك اللي عندي ما يكفيكش.
    قال:يالله أرى ،العشية جي ليها مع الثلاثة بما أوقعها القايد.
    وأخيرا!خرجت فرحانا،سأنال شهادة السكنى وسأحظى ببطاقة الحافلة،أردت أن أتناول الغذاء لكن رصيدي لا يكفي لبراد شاي،أمعائي تئن من الجوع،لا فطور لا غذاء،لكن فرحة الحصول على الشهادة أذهبت بعضا من جوعي،وأنا أفكر في أمر الغذاء لمحت صاحبة العلكة خازجة من صالون التجميل،أميرة بشعر حريري ينسدل على كتفيها ،تذهب به الريح يمنة ويسرة،كسنابل القمح في فصل الربيع،تبسمت في وجهي،حسبتها من نظري إليها علمت أني معجب بها،قدمت نحوي وقالت:السلام خويا إلى جات على خاطرك بغيت التلفون ديالك نصوني على واحد صاحبتي ماعنديش الصولد.
    ووافقت على الفور دون تردد:هاك أختي ما كاين حتى مشكل.
    أخذت هاتفي واتصلت بصاحبتها،فإذا بالمجيب الصوتي لشركة الاتصالات يجيبها:رصيدكم غير...
    قالت:دزولي أخويا وقيلا الصولد ديالك سلا.
    خجلت من حالي،لم أدر ما أقول:
    يالله عبأت ما تكون غير ديك العلبة الصوتية اللي دارتها ثاني.
    قالت:سمح لي أخويا بزاف،شكرا ليك صدعتك معايا.
    قلت:العفو أختي هانية.
    لقد إسود وجهي أمام صاحبة العلكة،ذات الجمال الباهر لقد أحرجتها وهي في قمة زينتها وتأنقها،تساءلت لماذا رصيدي دائما غير كاف؟لماذا أنا دائما ناقص؟
    عدت وقد أخذت تلك الجميلة بمجامع قلبي،فصار الهم همان:هم الغذاء وهم الرصيد.



    مدونة الأدب
    إلى الأعلى