728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    حِرفةُ و حُرفةُ الأدب! ~ محسن اعريوة ~


    قـالت : كلماتكَ يــا مُحسـن لا تُغنيني و لا تُسمنني من جوع ؟
    فكان جوابي:
    اعلمي سيّدتي الفـاضلة و أستاذتي المناضلة أنّهُ لم يفضُلْ لي من حِرفةِ الأدبِ إلا قطعةَ شِعْرٍ سـأطبخها لكِـ معَ وِجداني في طبقِ قصيدة... كيفَ تنتظرين ممن حظهُ بـائسٌ مثلي أن يتيحَ لكِ طريقاً للسعادة و يُفرشها لكِ بكلماتٍ جوفاءَ قد لا تُسمنكِ من جوع و بورودٍ ذابلةٍ يُسقيها من عيونِ فكرهِ صباحَ مساءَ و لازالتْ لم تنضُجْ فيه بعدُ... إنِّي لا أملِکُ غيرَ هذا الكلامَ البشريَّ الأزليَّ الذي ينبعُ من سُوَيْداءِ فؤادي. رغمَ أنَّ قومي يقولون: "الْهْضْرَة مَـــــا تْشْري خُضْرة"!
    إنَّ الحياةَ الهنيئةَ، و اللحظاتِ الجميلةَ، و الأوقاتَ السعيدةَ... كلُّ هذا لا يُدوَّنُ.
    فالأغنياءُ قليلاً ما يكتبونَ يومياتهم و يدونون مذكراتهم و يسردونَ حياتهم النَّاعمةَ على أوراقٍ بيضاءَ. و حتّى إذا ما كتبوها فالكتابةُ عندهم آلةٌ للتَّرف الفكريّ و لُعبةٌ يُراودونَ بها تعبهم اليوميّ شـأنُها شأنُ "آلة البيانو و لعبة الكولف.." يقصدونهما كلَّ يومِ أحدٍ. فكيفَ بمن ينـامُ على فراشه الوثير و يرتعُ في بحبوحة العيش الرخيِّ أن يُسخِّرَ قلمَهُ و يُنْفِقَ وقتهُ الذّهبيّ النّفيس في كتـابة شيء تافه –كما يزعم- و يترك أمواله المتدفِّقةَ وحيدةً و يستغني عن السّهراتِ الحمراء... إنَّنا نحنُ الأشقياءُ البؤسـاءُ من يكتبونَ تعاستَهم بأياديهم و يخطُّونَ بأقلامهم لحظاتهم الحرجة و يرسمونَ حياتَهم المأساوية بريشتهم و يُنفقونَ أعمـارهم التي لا تُقَوَّمُ بثمنٍ بين المِحبرةِ و القلم!
    إنَّ صنعةَ الشِّعْرِ تختلفُ عن جميعِ الحِرَفِ و الصَّنـائع، لا من حيثُ الشّكل فقط، بل لكونها صنعةُ قلبٍ و بنانٍ و فكرٍ و لسانٍ. و ما جمعتْ حِرفةٌ قطُّ مثلَ هذه الشّمـائلِ العظيمةِ و المناقبِ القيّمة... و مـا أتقَنَ حِرَفيٌّ عظيمٌ صنعتَهُ مثلما أتْقَنَ الشَّـاعرُ الفحلُ ذو القول الجزل و الرّأي الفصل فنَّهُ في إقـامةِ المعنى و نظمِ اللّفظِ و سبكِ المبنى!
    هكذا هيَ نفسُ الشُّعراء و الأدباء، انظروا إلى جميع ألوان الحياة و نوائبها (وجعُ الموت- حروبُ الوطن- نكسةُ الأمة- ألمُ الإنسان...) و انظروا إلى أعينهم، حتما ستجدونها مكتلةً بجميع هذه الألوان. نفسٌ كالطود لا تُطاوعها الظواهرُ الطبيعية فكأنّها فصلٌ واحدٌ لا يتزحزح. لقد أخذوا من أنفسهم و قلوبهم و فكرهم و حياتهم...و خاضوا بهم غمارَ الوغى و غاصوا في بحر الحياة كي يسبروا أغوارها و يلتقطونَ من دُرَرِها و لآلإها لأجلِ روحِ الإنسان لإجل الإنسـانية!
    و هنا أقولُ:
    ستبقى لهذا القلم حياة أبدية سرمدية، لا يفنى و لا يبيد و لا يكتب إلا ما يريد.
    هي أقلامنا الأصيلة و أسلحتنا النبيلة نهش بها على عقائدنا و نذود بها عن مبادئنا، نحيي بها الفضيلة و ننبذُ و نقدح بها أهل البغي و الرذيلة، و نرجم بها كل مارد متفيهق متشدق متحذلق حلق انتماءه مع لحيته و شاربه!

    إلى الأعلى