728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    هوس الحقيقة ~ سهيل الدوى~


     شق طريقه طول الأرض وعرضها مرتحلا من مكان لآخر،باحثا عن الحقيقة المجهولة منذ ساعات خلت،يتجه شرقا وغربا،شمالا وجنوبا ،تارة في البر وتارة في البحر ،سافر الى أقاصي الكرة الارضية لكن دون جدوى.
    يبحث وينقب عن ضوء الحقيقة الساطع من بعيد،كأنه في كهف المجهول المظلمـ،يسترشد بالخريطة والنجوم فلا شيء يوصله اليها،تلك هي الحقيقة التي لا مجال لمعرفتها،لكنه على الاقل يعلم حقيقة انه لا مجال لمعرفة حقيقته المفقودة.
    بلغ السيل الزبى ،والمسكين قد أعياه التعب في أدغال لا علم له بمكانها،فقد ضل صديقنا الطريق!
    الحقيقة مازالت مجهولة وقد ضللت الرجل المسكين فهل هي حقيقة كائنة الوجود مجهولة المكان ؟؟ أم أنه يجب السفر اليها عبر الزمان ؟؟ الرجل بدأ يتفلسف ويفكر،وأخاف عليه من الحمق!
    يتقدم الرجل خطوات يائسة باحثا عن ضالته ،شارد الذهن،تائها في غيابات تفكيره الحائر.بعد طريق وعر طويل،صديقنا قد أصبح في قبضة قبيلة من الهنود الحمر،وهذه ضريبة التسكع في الأدغال الموحشة،ذهبوا به الى مركز قريتهم،وضعوا المسكين في عصا مغروسة في الأرض،ولا يخفى عليكم  السيناريو فهو معروف في أفلام رعاة البقر والهنود الحمر،وبدؤوا طقوس وجبة الغذاء،دقات الطبول المتتالية المنذرة باقتراب الأجل،في قدر ماء ساخن مع بطاطس وجزر وفجل!!
    يشاهد عيانا آخر فلم في حياته،يعيشه حاضرا بجسده غائبا بعقله يسبح في ذكريات الماضي،يعيد شريط حياته من البداية ويشاهده كاملا في ثوان معدودات.
    لجيل الأيباد المهووس بالمعلوميات ،نسوق معلومة علمية وهي أن الشريط كان بصيغة mkv  ولم يستطع قارئ الفيديو التقليدي في نظام عقله تشغيله حتى قام بتسطيب آخر،فاشتغل.
    في الدقيقة الخامسة وسبع ثوان ،تظهر للمسكين الحقيقة الضائعة التي ضحى بحياته من أجلها،هو الآن يراها قُدامه،لكن لا فائدة،فروحه ستزهق بعد قليل غير عائدة.
    الحقيقة قد وُجدت فالآن سيموت مرتاحا،مفاتيح السيارة لم تسرق من جيبه كما كان يظن لكنه نسيها عند البقال عندما اراد شراء نصف لتر من الحليب هذا الصباح.
    الحقيقة ها هي والحياة أين هي ؟ للأسف لكل حقيقة ثمن وكان لزاما عليه أن يقدم تضحيات جسام في سبيل تحرير هذه الذكرى من قيد النسيان.
    أنزلوا الرجل من العصا المنصوبة في الأرض،وتوقفوا عن دق الطبول،تلك كانت طريقة مركز الشرطة في يوغوسلافيا للبحث عن المفقودات،وانصرف الرجل راشدا الى البقال ينشد مفاتيحه،وانطلق بسيارته الى مقر عمله،ولم يتناول وجبة فطوره خوفا من فوات وقت العمل الصباحي.
    أرأيتم البلاد التي تحترم نفسها ،وأفكار جهاز الأمن الذكية الجنونية في الإيقاع بالمفقودات وخدمة الشعوب على كل المستويات،نسوق هذه القصة الواقعية الضاربة جذورها في عمق الخيال العلمي،لعلنا نستفيد من حكمة الشعوب الأخرى.
     الكاتب على الفيسبوك: سهيل الدوى
    إلى الأعلى