728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يأسى ويفرح ~ وليد بنعزوز~


    يفرح قلبي، حين لا يجد لي الوهن طريقا. حين تتلخص أمواج الدنيا العاتية في رواية أو ديوان. أحمله كرضيع، وأبحث عن زاوية، أعلم أن لا وجود لها في بحره. أستقبل على سريري محفوظا أو درويش، وأحاوره كتلميذ نجيب ضال. أنقب عن أثره على كتبان رملية كثيرة الترحال. كي تتبع خطاي خطاه. 
    يأسى قلبي، حينما أتذكر أنني عربي. لون شعري فحمي. لون عيني بني. أطفالي ثمانية. أعمل في محجر. آكل إذا غضبت لحم مغتصبي.. يأسى، فلغتي لاجئة إلى الفرنسية إذا اقتضى الموقف بعض الأناقة. وتطلب اللجوء إلى الإنجليزية، فبعض المواقف تقتضي عظمة أوباما أو فحولة جورج كلوني.. وأخرى يلزمها حنان أوبرا وينفري.. 
    يتلاشى لون شعري وعيني، يموت أطفالي، ينهار المحجر وألجأ للضياع.. 
    يفرح قلبي، حينما تغرد روحي على مقامات كلثوميةفأصبح مخمورا لا يرجو للفجر مطلعا. أعربد في شوارع القاهرة الستينية، بعمارتها الكثيفة وأزقتها العطرة بخشب المشربيات. أترنح على رصيفها البهيج، فألمح صورة معلقة لجمال عبد الناصر. أبادله الابتسامة وأشعر بترحيبه. يتعبني السكر والتجوال فأستلقي قرب النيل، ألتقط أنفاسا رطبة.. 
    يأسى قلبي، حين أرى طفلا تسقط منه البراءة مبكرا. يلعب بلفافة حشيش أو بقنينة كحول رخيص. وقد ترسبت طبقات من الغبار على أطرافه الناعمة فاسودت. انتفخ بطنه جوعا وجف شعره وخشن. في زقاق مظلم، ينتبه لشبحي القادم وينهض كجمل ليضيفني في عالمه. على ضوء خافت أرى عينيه الذابلتين المفصحتين عن شكوى أو ألم. لكن لسانه مخدر لا يستطيع البوح. يتسول درهما أو اثنين، فأخاله يتسول أسرة حاضنة و طفولة زهرية لن يجدهما في جيبي.. 
    يفرح قلبي، حينما تداعبه خطى طفلة لا تهاب طريق المدرسة رغم طوله. تمشي مبتسمة وتجهل أنها تتسلق كحلزون سلم الحياة. أحسدها على صفحتها البيضاء لكني لا أريد رجوع زمني للوراء. 
    يأسى قلبي، حينما أفطن إلى شاشة المحمول تسرق النقط من حروفي. فأحضر غائبا عن مشاهد عدة. ابتسامة أمي في الصباح، انعكاس الشمس على حائط أبيض، نزول لقطرة مطر على زجاج نافذتي، زرقة السماء في يوم جميل، جحر نمل يعج بالحياة، حجر قد يسقطني أرضا.. 
    يفرح قلبي، في الطرام، حين ترمقني مسنة بنظرة وديعة طالبة مكاني للجلوس. فأقف إجلالا لها وأتمنى لو أهديها بدل المقعد عرشا هي جديرة به. وأشارك الإخوة زحاما نقيم صلاته كل صباح ونجيد الخشوع فيها. 
    يأسى قلبي، حين أستفيق من الوهم، من عشق المظاهر وسحر السطح. حين أكتشف أن بعد الربيع صيف حار، أن ثراء البعض يخفي إنسانهم، أن فقر البعض يخفي نخوتهم، أن ابتسامة أخفت كرها، أن النور يخفي الظلمة، أني والدنيا لا نساوي جناح بعوضة، أني سأموت يوما ما... 
    يفرح قلبي، حين تكسر مللي مشية صغير ينقش أولى خطواته بشغف. ويهتز شعره الخفيف بإيقاع. كنسيم يوقد جمرة حلمي، حلم الأبوة. 
    أسى قلبي صبرا، وأنا أنتظر جوابا تعذر عليه الوصول. أعاقته جبال وأنهار وصحارى تفصلني عن المرسل. 
    حتى أفرح قلبي همس لمحمود درويش:    هي لا تحبك أنت 
                                                                  يعجبها مجازك 
                                                                  أنت شاعرها 
                                                                  وهذا، كل ما في الأمر..
    إلى الأعلى