تجريم الإفطار العلني في رمضان بين هشاشة
النص القانوني والإساءة للدين
حامدي فؤاد
باحث
في العلوم الجنائية وحقوق الإنسان
الفصل 222 من القانون الجنائي وجريمة الإفطار
العلني في رمضان: " كل من عرف باعتناقه للدين الإسلامي وتجاهر بالإفطار في
نهار رمضان في مكان عمومي دون عذر شرعي يعاقب بالحبس من شهر إلى 6 أشهر وغرامة من
12 الى 120 درهما "
إن استقراء هذا الفصل أعلاه يكشف عن تضارب
متنه وتناقض مبدئه وتهافت أطروحة المتهافتين ممن يدافعون عنه بشراسة عمياء تُعرّي
مأساة التداعي العاطفي للأمور عندهم و تفضح عملية تأثير الدين النقي حين يستحيل
إلى أفيون مخدر و نتن...
وبعيدا عن السياق التاريخي للفصل 222 و ما قرَّرَه
المستعمر ليوطي ،وبعيدا عن التبريرات الصبيانية التي يسوقها البعض دفاعا
عنه،فتحليل الفصل من الناحية القانونية تطرح عدة إشكاليات يكشف عن هشاشة بنية هذا
النص وسنستعرضها في أيجاز :
فلو كان الهدف من تقرير هذا الفصل هو حماية
الشعور الديني للصائمين لتَمّ منع المجاهرة بالإفطار من طرف كل مفطر بغض النظر عن
دينه لأن الشعور بمنطقهم يُمَسُّ سواء كان المجاهر بالإفطار مسلما أو غير مسلم
،فلماذا يَتطلَّب المشرع أن يكون المجاهر بالإفطار عُرِف عنه الإسلام ؟ فهل الذي
مُسَّ شعوره يجب عليه أن يَتحرّى هل المجاهر مسلم أو غير مسلم و بعد ذالك يقرر هل
سَيُمسًّ شًعوره أم لا؟؟؟
ثم كيف و ما هي معايير تقييمنا لكون شخص ما
مسلم من عدمه،هل بمخالطته المساجد أو بتردده على الحانات؟ ثم إن مفهوم الاعتناق
الوارد في الفصل هو مفهوم خاطئ فأغلبنا لم يعتنق الإسلام و إنما ولد عليه برَّره
أو لم يُبَرره فهذا مبحث أخر وما يهمنا أن مصطلح الاعتناق غير دقيق.
وهَب
أن جميع المغاربة مسلمين إلى أن يثبت العكس فاذا حَدث و اعتقلنا المجاهر بالإفطار
في نهار رمضان ،فهل يستطيع دفع التهمة عن نفسه بادعائه أنه لم يبقى على دين
الإسلام و أنه تَنَصَّر أو تَهَوَّدَ أو حتى ألحَدَ...فهل شَقَقنا على قلبه لنكشف
صدق قوله من كذبه؟
هنا لا نكون قد عدونا ممارسة اختصاص من اختصاصات
محاكم التفتيش، هنا نكون قد ضيقنا واقتحمنا حرمة علاقة روحية داخلية بين العبد و
ربه ، هنا قد اغتصبنا في تَكَبُّر صلاحيات الله..
ثم لو كان ذالك كذالك وزدنا في تسليمنا أن
النص يَسري على من عُرف باعتناقه الدين الإسلامي،فلماذا تَم منع النزهة الرمزية
التي نظمتها حركة "مالي" للإفطار العلني في رمضان 2009 و اعتقال رموزها
والذين عُرف عن إنتمائات أغلبهم الإلحادية اللادينية؟
ثم إن تَطَلُّبَ نقطة قانونية لاستكمال أركان
الجريمة و المتمثلة في الإفطار دون عذر شرعي فمن الصّعب التّسليم بها لأن معيار
العذر يختلف من شخص لأخر، من مناخ لأخر، فالذي يقدر أن يصبر على الجوع و العطش قد
لا يصبرعلى التدخين، و من سيصبر عن التدخين قد لا يصبر عن الجوع أو العطش، وربما
ألحق صبره هذا به أذى و مضرة والله سبحانه نهانا عن إلقاء أنفسنا في التهلكة و حذرنا
من تحميلها فوق طاقتها وشرَّع لنا الأعذار و الرُّخص والله هو الوحيد العليم باشتراطاتنا
،هو الوحيد الكفيل بتَقييم الذنب من اللاذنب ،هو الوحيد المُختص بالمغفرة أو
العذاب، وهنا ترجع بي الذكرى و الذكريات لمنظر رجل كهل انهَال عليه القوم ضربا
ورفسا فقط لأنه شرب شربة ماء في نهار رمضان والمسكين يستغيت و يعتذر بمرضه تحت
أرجل قوم عقولهم أنتن من أرجلهم وقلوبهم مَرَدَت على النفاق..فهل لا بد للمفطر أن
يجتهد في إقناع العبد غَير المُطَّلع بقراره الذي اتخذه تحت عين الله المُطَّلع؟...هنا
يجد الإنسان نفسه أمام الَهين إثنين ،يقنع الأول و يرضي الثاني..
الصّائم الحقيقي الصادق في علاقته مع الله لا
يُضِيره أن يُفطر العشرات أو الملايين من الناس حوله، فإذا تَلذَّذوا هم بحلاوة و
عذوبة ما يفطرون به تَلذَّذ هو بحلاوة وعذوبة عبادته لله عز وجل..
الصّائم الحقيقي
هو المسلم الحقيقي الذي أذعن لله باقتناع وتبرير ومحبة في إيمان راسخ مُرابط
كالجبل الأشَم لا يَدكُّه اختلاف المختلفين و لا يَهدِمُه تَعدُّد و حرية الآخرين،المسلم
الحقيقي ليس هو المسلم الذي يتداعى إيمانه و يفسد صيامه لمجرد أنه لمح أحدهم يلوك
"طونيك" بين فمه.. !
الصّائم الحقيقي هو الذي تَشَرَّب معنى
الحديث القدسي الذي يقول في مضمونه أن كُل عمل ابن أدام له إلا الصّوم فهو لله هو
يَجزي به في ملمح راقي يَجعلك مُقبِل غير مُدبر على الصّيام بغِبطة قلب و صِدق للرُّوح،فلا
يهمك إن صَام مشرق الأرض كله أو أفطر مغربها كله ،أمن جنوبها كله أو كَفَر شمالها
كله، كل ما يهمك هو تَماسُك علاقتك الروحية مع الله ،بَينَكَ أنتَ وبَينَ الله وحدَكُما
لا شَرِيك لكما ، فهل مَن كان الله هَمَّه، هَمَّه بعد هذا الهَم هَمٌّ؟
بلُغة فَهمِي للقانون و بلُغة فَهمِي للإسلام
،فالفصل 222 من القانون الجنائي أكبر إساءة للإسلام كدِين تَحرُّري تَقَدُّمِي يؤَسّس
لمفاهيم حرية الاعتقاد، كدين يَستوعب في حكمة و يدَبّر الاختلاف ..
هو فصل للإساءة للدولة التي تبَنَّت الخِيَار
الديمقراطي تَوجُّهاً لها ،للدولة المدَنِية الحَديثة المُؤسَّسَة على مفهوم المُواطنة
الواقفة على الحِياد من دين مُواطِنها ، كل مُواطِنها..
هو فصل يُؤسّس و يَرعَى مَظَاهر النّفَاق الاجتماعي والرّياء وممارسة
"العياقة" الدينية والإلجاء من قوم يبحثون في شهر عن مفطر ليعاقبوه و لا
يبحثون طوال السنة عن جائع ليطعموه.. !
فيسبوك الكاتب: حامدي فؤاد

