728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أوراق مبعثرة فوق سرير الموت: الورقة الثانية~ عبد الوهاب أوذاير~

    أوراق مبعثرة فوق سرير "الموت"..
    الورقة الثانية:" غريق في حاجة للانقاذ"

    "كانت الوحدة تلتف حولي وكأنها حبل المشنقة، والعزلة تسلبني لبي، والأيام تمضي طويلة أمام عيني كأنها أسلاك لا متناهية وأنا أقضمها الواحدة تلو الأخرى ولا أجد لها طعم. كنت سجينا وما أنا بسجين أنزوي كل مساء في ركن قصي من أركان غرفتي مرتميا في حضن الأوجاع، أطفئ النور وأغلق النوافذ بإحكام كي لا أدع أية فرصة له ليتسلل إلى أرجائها، آخذ شمعة وأشعلها، أقضي ساعات أتأملها وهي تحرق نفسها أمامي. والحقيقة أنني كنت أرى نفسي تحترق لا الشمعة، كنت أحترق كل يوم بصمت، قلبي، عقلي، روحي، وجداني جميعهم كانوا يكتوون بلهيب الحرمان الذي يتأجج داخلي، ولا قدرة لي على إخماده...كنت أتألم لوحدي وأنا أحترق في تلك الزاوية القصية جالسا القرفصاء كعجوز تنتظر موتها بعدما أنهكتها قسوة الحياة وتخلت عنها.. أستمر على تلك الحالة حتى تموت الشمعة ويعم الظلام الغرفة، فأقوم من مكاني وأستلقي على السرير كسكير قضى الليل كله يحتسي كؤوس النبيذ حتى داهمته الثمالة وأفقدته القدرة على التحرك فسقط مغشيا عليه، منتظرا انجلاء الليل وبزوغ الصباح...
    في الصباح أستفيق ولا أصحو.أقوم فأغسل وجهي الشاحب بماء بارد كالثلج، وأنصرف...
    أخرج من الغرفة تائها لا وجهة لدي محددة، فحتى الأغنام عندما تخرج من الحظيرة تعرف وجهتها في الغالب، إلا أنا فقد كان التيه هو طريقي الذي أسلك، أتخبط خبط عشواء في منعرجاته الوعرة قدماي لا تسعفاني وكأنني فقدت القدرة على النظر، كنت أسير وأسير بخطوات متباطئة ككهل نال منه ضنك العيش وفقد جل قواه، كانت أشعة الشمس تلفح وجهي لدرجة كنت أخالها شرارات نار ستحرقني لا محالة، وزقزقة العصافير صخب يشق طبلة أذني، لم أكن أعبئ بشيء لا بالمارة الذين يسابقون الزمن بدون جدوى وكأنهم في سباق محموم ضد أنفسهم، ولا بضحكات الأطفال البريئة التي ستعدم حينما يدهسهم قطار الحياة السريع...كل ما كان يهمني هو هذا الفراغ الذي كان جاثما على صدري ويثقل كاهلي، وتلك الأوجاع التي كانت تُغرز في قعر وجداني كسكاكين حادة، وكأن وجودي في هذه الحياة كان خطأ ودخولي إليها كان بصفة زائر غريب وبمحض الصدفة....
    كنت ضائعا في الزمان والمكان، فلا أحداث تكمل قصتي، ولا أفكار توجه عقلي و لا مشاعر توقف تيهي وكأن سفينة حياتي فقدت ربانها وأوشكت على الغرق... نعم كنت أغرق شيئا فشيئا في بحر الوحدة والصمت العميقين، وكنت في مسيس الحاجة لمن ينقذني ويوجه سفينتي نحو الشط، كنت في حاجة لمن يرتب أفكاري، وينتشلني من تلك الفوضى العارمة التي كنت أعيشها، كنت في حاجة لقارب يوصلني لبرالأمان لمن يوقف تلك الأمواج العاتية التي تضرب سواحل حياتي، لمن يضيء طريقي الحالك ويخرجني من الظلام إلى النور، لمن يمسك بيدي ويجنبني سبل التيه...كنت في حاجة لمن ينقذني من الغرق الوشيك وكفى....".....

    إلى الأعلى