قف ! خمس دقائق من وقتك المهدر هاهنا ، لن تكلفك شيئا ! خذ وقتا لراحة تعيدك إلى إنسانيتك القهقرى ، و تطلق العنان للحب المدفون في دواخلك !
رأيت فيما يرى النائم ، كأنني في ساحة بأشجار ضليلة ، اصطف فيها من تعرف في وحوههم الحاجة ، و يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، لا يسألون الناس و رأيت وجوها بيضا ، يحملون نقودا في أيديهم فاحت رائحة المسك منها ، منتشرة في أجواء المكان !لا تعرف يسراهم ما أنفقت يمناهم ها أنت يا بنت الصديق ، يا أمي و أم هؤلاء تؤجرين بسنتك التي سننت ، طيبت نقودك ، و هم الآن نقودهم يطيبون ، و يجيء صغار ، يلعبون مع أبناء من يحسبهم الجاهل أغنياء ، فلا تفرقهم ، من جميل ما يلبس كل منهم ، لا اختلاف بينهم و لا تباغض و لا تحاسد، و يجلسون بعد لعبهم البريء ، يتذاكرون سنة حبيبهم ، حبيب السلام ، فهذا يصلى و يسلم ، و ذاك ينهى عن منكر فعل ، و الآخر يفسح في المجلس ، و كثير منهم يلبس لباس الوقار و العلماء ، كثير منهم حفظ الكثير من كلام السلام ، الله الله الله الله ، في أي العصور أنا
قاربت الشمس على الغروب ، فرأيت موائد تحضر على جنبات الطريق ، وجوه بيض بلحى زكية ، تحضر الموائد ، فيها من أصناف الأطعمة أطيبها ، ما فيهم بخيل و لا شحيح ، هذا لوجه الله لسان حالهم ينطق ، و بعد الصلاة يجانبون إخوانهم و لو رمزيا إفطارا ، يرجع القوى إلى أبدان ستلتحق بعد حين إلى مآدب الصلوات و الذكر
رأيت فيما يرى النائم كأنني في مخزن عملاق ، كتب علي بابه : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا بيت مال المسلمين ، و رأيت وجوها بيضا داخله ، يعدون أموال المسلمين ، خرجت فرأيت طابورا طويلا ، و سيارات غالية الثمن مركونة ، و أصحابها يقفون الواحد وراء الآخر ، يتحملون العطش و الجوع تحت أشعة شمس آخر شهر من شهور الصيف ، و يروحون على أنفسهم بالذكر و الدعاء ، و تذاكر أحاديث حبيب السلام بين بعضهم البعض ، كل منهم يحمل أكياسا ملئى ، و تحركت غرائزي الطفولية مرة آخرى ، سألت أحد الوجوه البيض عنهم ، فأجابني بابتسامة لطيفة أنهم أعيان المدينة ، جاؤوا يخرجون زكاة أموالهم ، و أن منهم من سيخرج الملايين ، حق السلام في امواله ، و عرفني بهم ، فكان منهم الوزراء و أغنياء الأغنياء ، الله الله الله الله ، يا سلام في أي الأزمان الآن أكون ؟ ، و رأيت أناسا في الجهة المقابلة ، أتوا إلى بيت مال المسلمين ، تعرض عليهم أموال و نعم ، فيأخذون القليل ، و يعرضون عن الكثير ، و يقولون للوجوه البيض : إنما هي حياة دون حياة ، و إنما هي أيام قلائل ، فيبتسم أعيان المدينة ، ، و رأيتهم يركبون سياراتهم ، و يوصلون إخوانهم إلى حيث أحبوا ، و هم يرددون ، سبحان من سخر لنا هذا ، و كانت السيارات تتوافد ، كل يأتي بنعم مختلفة ، فهذا بئهب كثير ، و هذا بفضة و جواهر ، و الآخر ببر و تمر و شعير ، و الثاني ببهائم الأنعام ، و بيض الوجوه يكبرون ، و ينادون ، هل من سائل ، هل من محتاج ، هل من صاحب حاجة ؟ فلا يجيبهم إلا من اضطر يستحيي من نفسه ، و الآخر يطيب خاطره و يدعو له بفردوس السلام
صلى الله على سيدي
مهدي يعقوب

