728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    الفرق بيننا و بينهم ~ مهدي يعقوب~


    الوجه السوريالي المغربي

    إهداء إلى روح الذي نسأل الله أن يتقبله … رضى الحميوي رحمه الله و غفر له !
    مجرة العربان ، تحف برائحة الموت … الموت في كل مكان ، و الذهاب إلى الحظائر الشفائية فيها ، بات نوعا من العقاب و الجلد النفسي ! في مجرة العربان ، يجب عليك أن تنتظر المرض بخوف شديد ، كخوفك من اقتراب الحتف ، لا يجب أن تمرض ، تفادى المرض قدر ما تستطيع ، و أكثر مما تستطيع ، و لا تدخل الحظيرة إلا مضطرا !

    هنا ها هنا ، كتب على باب مجرتنا : كل شيء هنا يُحترم ، إلا كرامة الإنسان ! أهلا بك في بلاد المغرب الأقصى ، في مجرة العربان التائهة!
    المستشفيات هنا في هذي البلاد أشبه بلوحة سوريالية ، رسمها بوهيمي !
    الفقراء هاهنا ، يموتون حسرة قبل أن يقتلهم الألم ، الساعة الآن ، العاشرة مساء ، شاء المولى ، بعد انتظار دام ٤ سنوات أن تحمل زوجتي ، و لا يدوم فرحنا بالخبر إلا شهرين ، تلتها علامات إسقاطه ، و كان من سوء حظي ، أن ظهرت ليلة الإثنين في يوم أحد ! اتصلتُ بالمستشفبات الخاصة ، لا أحد هناك مختص في مجال النساء ! و كلما اتصلتُ بمشفى و اعتُذر لي ، إلا و زدتُ خوفا أن أضطر أن أذهب إلى الحظيرة ، التي كانت في آخر المطاف وجهتي بعد أن اشتد النزيف !
    كل شيء ها هنا ، ينذرك بالفناء ، حتى رائحة الأدوية التي تزكم الأنوف ، لا تعطيك أملا في شيئ !

    الساعة الحادية عشرة ، وقف بنا سائق الأجرة أمام حظيرة المستعجلات الحيوانية بالدار البيضاء ، و علامات الشفقة بادية على وجهه ، ناولته الأجرة و رددت عليه بابتسامة وشت أنني أتفهم شفقته ، شاكرا إياه !
    بجوار المدخل ، سيارة إسعاف ، يظهر من استعجالها أنها تحمل أحد المصابين في حادثة ، في الممر المؤدي إلى المدخل ، بعض من حالات مصابة في حوادث ، ملقاة على الأرض ، كذلك المنظر الذي نراه في أفلام الحروب .
    ترجلتُ و أنا أمسك بيد زوجتي ، و قلبي ينقبض كلما اقتربنا من الباب !


    ـ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته !

    لم يرفع رأسه من على الدفتر الذي يدون فيه ما لا أعلمه ، فأجاب بصوت مخلوط بشيء من التبرم

    ـ و عليكم السلام ، ماذا هناك ؟

    التفت إلي أحد المرضى هناك ، و قال لي هات الورقة ، فأنا أملك ورقتين من فئة المائة ، شكرته ، و ناولت موظف الإستقبال المبلغ ، ناولني ورقة وصل بالدفع ، ثم أشار إلي بالذهاب إلى المبنى الآخر المقابل الذي يبعد عن ذلك المبنى بنحو ٣٠٠ مترا ، زوجتي لا زالت تنزف ، و الأمل في الإحتفاظ بهذا الذي في بطنها يتضاءل شيئا فشيئا في عيناي !
    ـ زوجتي عليها آثار إجهاض ، و أريد طبيبة للنساء من أجل أن تفحصها !
    رمقني بنظرة تفحص و قال : يجب عليك أن تدفع مبلغ ٣٠٠ درهم و تنتظر دورك !
    ـ نعم سأدفع و لكن من حقي أن أعلم لماذا ؟
    ـ ٣٠٠ درهم لماذا ؟
    ـ ألا تريد من زوجتك أن تُفحص ؟ ادفع بدون أسئلة !
    ـ أه ، نعم ، حسنا ! ناولته ورقتين من فئة ٢٠٠ درهم ، فأخبرني بفظاظة أنه لا يملك الباقي ، و يجب علي أن أبحث عن الباقي ! بدأت أفقد أعصابي شيئا فشيئا ، و لكن صبرتُ نفسي بنفس السرعة التي فقدتُ فيها أعصابي حفاظا عليها لما هو آت ، فأنا أعلم أن هذه الليلة لا تزال تحمل في جعبتها الكثير من المفاجآت الغير السارة في هذه الحظيرة !
    ـ ثمن الفحص بالأشعة السينية !

    الساعة الثالثة صباحا ، توقف النزيف شيئا ما ، لم ننم تلك الليلة إلا قليلا ، يوما بعدها ، أجهضت زوجتي تلقائيا ، و هكذا كان !
    في المبنى الآخر ، وجدنا حالات مشابهة ، و بعضا من ضحايا الحوادث يفترشون الأرض في شهر من شهور الشتاء الباردة ، منهم من لا يملك ثمن الدخول ! فأُخبر أنه بدون دفع الثمن ، لن يتم معالجة جراحه ! في المكان المخصص لطب النساء ، اتضح لي أن كل من يوجد تلك الليلة هم فقط متدربون ، أي أنهم لا يزالون في طور الدراسة ! و أرسلتهم دولة المغرب الأقصى لمعالجة هؤلاء البهائم الذين و لقلة الحيلة ، رمى بهم القدر ها هنا !


    بعد ساعتين من الإنتظار ، حان دور زوجتي ، دخلت ، استقبلتها المتدربة بفظاظة ، أخبرتها زوجتي أنها تنزف ، و أنها تشعر بالألم ، و أننا خائفون على ما في بطنها ! نظرت إليها بسخرية ، و أخبرتها أنها فقط تتدلل ، و أنه لا شيء يدعو للخوف ، فحصتها بالأشعة السينية ، و أخبرتها أنها بخير ، و الجنين بخير و يجب عليها أن تعود بعد أسبوع !
    في مجرة موازية …

    لأن المجرة الموازية ، لا يخاف الماشي فيها على رجله في الثالثة صباحا أن يخرج عليه قطاع الطرق !
    الثالثة صباحا ! رباه ، إنه الم الأسنان مرة أخرى ، كم أكره طبيب الأسنان ، إنه يشعرني مذ كت صغيرا بالخوف ! و لكن الصداع لا يحتمل إلا قليلا ، و لم ينفع معه محاولتي لإخماده !


    الثالثة صباحا ، الميترو انتهى ، و لن يشتغل مجددا إلا بعد ساعة و نصف الساعة ، ماذا أفعل ! أخذتُ محفظة نقودي التي تحوي بطاقة التأمين الألمانية و خرجتُ ! لا أحد يتجول في الشارع في هذه الساعة إلا من بعض موزعي الصحف ، كنت أضع يدي على خدي من شدة الألم ، و أبكي كطفل صغير !
    بعد هنيهة ، وقفت سيارة شرطة ، و طالباني بأوراقي ، أعطيته بطاقة تعريفي ، ناولها لزميله من أجل أن يفحصها إلكترونيا في داخل نفس السيارة ، ثم سألني لماذا أبكي ، فأخبرته بألم الأسنان ! فطلب مني الصعود لإيصالي إلى المشفى ! لبيت الأمر فورا ، ناولني بطاقتي ، ثم أوصلاني إلى المشفى ، و تمنيا لي الشفاء العاجل مبتسمين ! و غادرا ! دخلت المشفى ، الشخص الكافر في الإستقبالات ابتسم لي فورا ، و طلب مني بطاقة التأمين ، بعد أن أخذها
    ، قال لي بابتسامة تجمع حنانا يدخل على القلب الطمأنينة :
    ـ لا بد أنه ألم الأسنان !

    أجبته بالإيجاب ، طلب مني الإنتظار ، و أن الفحص لن يتأخر أكثر من ١٠ دقائق ! لم تمر الدقائق العشر حتى عولجت ! و خف الألم ، و ترجلتُ إلى منزلي
    إلى الأعلى